2012-11-26

هل فعلا نحن امام وحدة وطنية فلسطينية حقيقية؟!


بقلم: عباس الجمعة

انتصرت غزة بصمودها، وانتصر الشعب الفلسطيني بمعجزاته، وافشل العدوان الغاشم بوحدة وطنية، أسقط المعلن منها والمضمر، هذ الإرادة التي عبر عنها شعب فلسطين في الضفة الفلسطينية والقدس وفلسطين التاريخية واماكن اللجوء والشتات والمنافي البعيدة كان قرارهم الوحيد، الانتصار لدماء الشهداء في غزة الصمود والشموخ، فتعانق دم الضفة مع غزة ليؤكد الوحدة الجغرافية لفلسطين، فكان لفلسطين ما قررته بقدر ما كانت هى بتضحياتها أهلاً له، صحيح ان غزة بصمودها وشهدائها غيرت قواعد اللعبة، في مسار الصراع المحتدم.

غزة انتصرت من اجل الوحدة الوطنية، وما الحديث عن اللقاء القيادي لقادة الفصائل الفلسطينية الا خطوة مهمة، المهم ان لا نعود الى الوراء من جديد، وهذا يستوجب منا الصراحة والصدق وعدم الالتفات الى ما يجري في المنطقة لننتظر ما يفرضه ربيع العرب في محاولة للالتفاف على الوحدة الوطنية التي تجلت على ارض فلسطين، وخاصة ان منظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني وباقرار حركتي "حماس" و"الجهاد"، قد غيبت عن اتفاق وقف اطلاق النار وعن لعب اي دور حقيقي في المفاوضات التي ادت اليه، وهذا بوجهة نظرنا يعتبر تغيب لدور منظمة التحرير ومكانتها المعنوية، وتكريس، بل وترسيم لحالة الانقسام القائمة.

وامام ذلك نؤكد ان الانتصار الذي تحقق بفعل كافة فصائل المقاومة وتضحيات الشعب الفلسطيني وصموده في ميدان المعركة قد استثمر بشكل غير واضح، ولذا فإن التصريحات والمواقف التي تصدر بشأن المصالحة والوحدة الوطنية هل هي نابعة من قرار فلسطيني مستقل بعيدا عن اي  حسابات واعتبارات اقليمية يمكن رؤيتها في سياق التطورات الشاملة الحاصلة في المنطقة، ودور وموقع حركة الاخوان المسلمين فيها.

ومن هنا علينا ان نرقب بشكل جدي ما قد يحدث بعد  انتصار غزة حتى لا تقودنا المواقف عن اللقاء القيادي وتطبيق اتفاق المصالحة وحكومة الوحدة الوطنية الى حال من الارتياح، لاننا نعلم ان هناك قوى فلسطينية ترتبط اليوم بمصالح اقليمية شئنا ذلك اما ابينا، وان اي وحدة يجب ان تنطلق من  رؤية وموقف موحد لكافة الفصائل والقوى حتى نتمكن من تحقيق انجازات حقيقية، والاستفادة مما مهد له هذا الانتصار وبخاصة حالة التناغم بين اداء المقاومة في غزة والهبة الشعبية في الضفة الفلسطينية وما رافقها ايضاً من تفاعلات في الداخل والشتات والمنافي، وحتى على مستوى التحركات الشعبية العربية والعالمية.

ولهذا نقول ان فلسطين لا تحتاج للأقوال بل للأفعال، فالشعب الفلسطيني بحاجة لوقفة جادة للتضامن السياسي، بحاجة لدعم عربي للمساهمة في طريق التوحد الفلسطيني وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية بعيدا عن المصالح الاقليمية، الشعب الفلسطيني بحاجة لدعم توجهه الى الامم المتحدة، وكذلك تحصين غزة من الانزلاق لتنفيذ المشروع الاسرائيلي الذي تسعى اليه حكومة العدو من خلال عدوانها ألأخير لضمان قذف غزة في حضن مصر لتتولى شؤونها الادارية والأمنية، والتملص من التزاماتها القانونية كدولة احتلال، الشعب الفلسطيني يتطلع الى الشعوب العربية واحرار العالم وكل الامة العربية والاسلامية بانها الحاضن له وهو يخوض معركة التحرر الوطني.

في ظل هذا المشهد تتزايد بشاعة وممارسات العدو الصهيوني وتهديداته ضد القيادة الفلسطينية والرئيس محمود عباس، مع استمرار سياسة الاستيطان واعتقال القيادات الوطنية وابناء الشعب الفلسطيني، بينما الشعب يعبر عن مظاهر الاستعداد للتضحية والمقاومة من جهة ومشاعر الحزن والألم من استمرار الانقسام والصراعات الفئوية على السلطة والمصالح، دون وجود طرف قوي ثالث قادر على مجابهته وتجاوزه، الأمر الذي وفر عوامل ومناخات المصالح الطبقية الانتهازية في كل من الضفة وقطاع غزة التي تستهدف المزيد من الثروات غير المشروعة جنباً إلى جنب مع تزايد مظاهر الفقر والبطالة وتردي الأوضاع المجتمعية علاوة على تزايد وتائر الاستبداد وكبت الحريات الفردية وحريات الصحافة ومنع التظاهرات والاعتصامات السلمية وقمع الحركات والتجمعات الشبابية الديمقراطية، كل هذه الممارسات التي تتناقض كليا مع نصوص النظام الأساسي أو الدستور الفلسطيني، عززت بدورها عوامل الخوف والقلق والإحباط في أوساط جماهير شعبنا.

ان مسيرة الشعب الفلسطيني النضالية الطويلة وعذاباته، هي مسيرة شاقة معمدة بالدم والتضحيات، طوال مائة عام أسست وكرست الهوية الوطنية في عقول وقلوب أبناء شعبنا، هذه الهوية تتعرض اليوم للتفكك والتشرذم نتيجة الصراع بين هويتين أو رؤيتين، وامام هذا الواقع هل سنتمكن من إدارة الصراع الداخلي بيننا بوسائل سياسية ديمقراطية، ويتحدد مستقبل وحدتنا الوطنية، وفق قواعد الإجماع الوطني، وهل ستتمكن القوى والفصائل من احتواء التناقضات الداخلية حفاظا على وحدة الشعب ووحدة الأرض وحماية "م.ت.ف" والنظام السياسي الديمقراطي بما يضمن انضواء شعبنا من جديد تحت مظلة الأفكار التوحيدية الوطنية عبر الالتفاف حول الثوابت الوطنية وتفعيل "م.ت.ف" بمشاركة فعالة من الجميع لتقوم بدورها ومسئولياتها في مواجهة المأزق، بدلا من أن يلفظ الجميع نادما على كل خطوة خطاها دون أن ييأس أبداً من قواه الوطنية والديمقراطية التي ستعيد استنهاض الآمال من جديد.

 ختاما لا بد من القول: مطلوب مصالحة قائمة على مواقف مبدئية، وعلى تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والفئوية، ومن هذا المنطلق فإن حساسية المرحلة ترفض أنصاف المواقف، وترفض الحوار على المبادئ، وترفض مقايضة المواقف بالمناصب، ونحن نتطلع لحلم الوحدة الوطنية الذي لطالما حلمنا بتحقيقه، يبقى السؤال هل نحن امام وحدة مرضية لطموحات شعبنا الذي قدم بدمائه أروع ايات الصمود والتضحية.

* عضو المكتب السياسي لجبهة التحرير الفلسطينية. - sawtalghd@hotmail.com