2012-11-26

اشكالية انهيار النظام العربي القديم..!


بقلم: د. سليم نزال

بعد وقت لا يتعدى البضعة أسابيع نبدأ في العام 2013 وأغلب التوقعات تشير ان حمم بركان سيدي ابو زيد ستظل تضرب المنطقة العربية حتى وقت ليس من السهل تقديره. ففي المرحلة التونسية والمصرية من مرحلة التغيرات الكبرى في المنطقة العربية ساد الأمل والتفاؤل بالتغيير انطلاقا من نموذج ثورة البضعة اسابيع والتضحيات المحدودة التي حصلت في هذين البلدين. لكن الأمر بدأ يتغير لدى انطلاق موجة التغيرات في المناطق العربية العربية الاخرى الأكثر تعقيدا.

كما انه بات من الواضح ان ماهية التغييرات باتت أكبر بكثير مما كان يظن في بداية الثورات.

 ومن شبه المؤكد الآن لدى غالبية المحللين السياسيين ان سقوط رؤوس الأنظمة شيء وتغيير ثقافة النظم السياسية شيء آخر. الأمر الذي يعني ان مرحلة التغيير في المنطقة قد تستغرق وقتا اطول بكثير من الذي كان سائدا في البداية.

ولعل الوضع السوري وتعقيداته بات يقدم نموذجا للتغيير الدموي والمعقد بسبب تداخل التغيير في سوريا بعوامل عديدة منها ما يتعلق بالتنوع الثقافي في المجتمع السوري ومنها ما يتعلق بموقع سوريا.

وعلى الرغم من تعدد نماذج التغيير في المنطقة العربية الا انه من المعتقد ان التغييرات السياسية  الحاصلة ستفرز ديناميات لانواع متعددة من الصراعات حول هوية الدولة والدستور والاقليات ..الخ من المسائل الشائكة التي قد تختلف من بلد لآخر حسب تعقيدات الوضع فيه، الا ان القاسم لمشترك هو ان المنطقة العربية ذاهبة باتجاه طريق من الصعب تقدير نهايته.. كما بات من شبه المستحيل تقدير الزمن الذي ستستغرقه هذه التغييرات التي قد تؤدي في بعض الدول الى تطاحنات داخلية تدمر نسيج المجتمع القائم وقد لا تنتج سوى الفوضى على المدى المتوسط على الاقل..!!

فنحن الآن نمر بمرحلة تفكيك الدولة العربية القديمة لأجل استبدالها بدولة جديدة لا احد يعرف حتى الآن كيف يتكم تركيبها وبأي محتوى أو بأي مضمون سياسي وإجتماعي.والمشكلة بالطبع ليست فقط بالتفكيك بل ايضا مرتبطة بعوامل عديدة اهمها ماهية قوى التفكيك ودور الدول الكبرى، وبالطبع كيف ستتم اعادة التركيب؟!

وهذا التفكيك سيفجر على الأغلب العديد من التناقضات والدمامل المجتمعية التي تم قمعها في السابق او التي لم تكن من الأمور المفكر بها لدى تأسيس هذه الكيانات. الأمر الذي سيقود الى عملية تفكيك واسعة قد تطال الوحدة الترابية لبعض الاقطار العربية، وتؤدي كما في سوريا الى صراعات أقرب منها للحرب الأهلية منها الى الثورة. او الى تداخل عامل الثورة مع العوامل الثقافية الاخرى أضف بالطبع للعوامل الدولية واستغلال القوى الكبرى عادة لمثل هذه الصراعات لتقوية وضعها.

فقد دخل الاسلام السياسي بقوة على مجمل الوضع الأمر الذي بات ينظر اليه بقلق من الأوساط الليرالية التي تعتقد ان الاسلاميين أخذوا الثورة باتجاه الحكم الديني وهو أمر لا يقبله الاسلاميون الذين ينظرون لانفسهم كضحايا للنظام السابق. وهذا سيؤدي على الاغلب الى صراعات معقدة كما نرى في مصر بين قوى الاسلام السياسي والقوى العلمانية.

السؤال الآن ما العمل؟ وهل هناك طريق خلاص او نوع من حل وسط لأجل تجنب الأسوأ؟!

من وجهة نظري تتحمل قوى التغيير العربية مسؤولية كبيرة في هذه الأوقات التاريخية التي تمر بها مجمل المنطقة العربية التي يرتبط مستقبلها بهذه التغييرات.  وعلى قوى التغيير ان تعي ان التغيير يشبه وضع الحطب في الموقد، أي أن عليها أن لا تضع كل حطبها فى الموقد لكي لا تندلع نيران أكبر من قدرتها على ضبطها في حال امتداداها وان يكون لديها المرونة لكي تتعامل مع واقع التغيير ليس بمنطق انتحاري  بل بمنطق المسؤولية التاريخية.
 
ويظل من الصعب جدا معرفة إلى أين تتجه الأمور في ظل هذا الانفجار الواسع الذي بات يطال كل نواحي النظام العربي القديم. وهذا الامر قد يعني دخول المنطقة العربية الى نوع من حرب المائة سنة التي حصلت في اوروبا والتي أدت الى إنهيار النظام القديم وتشكل اوروبا الحديثة. قول هذا لا يعني ان المنطقة العربية مقدمة بالضرورة على مائة عام من الصراعات، بقدر ما هو القول ان ما شهدناه حتى الآن هو بداية انهيار الجبل الجليدي. ولذا قد يكون من الصعب معرفة كيف يتم بناء عقد احتماعي جديد قبل ان نعرف كيف ستكون عليه عملية تفكيك النظام القديم. وهذا يعني ان علينا ان نتتظر اعواما قد تطول وقد تقصر، حسب ظروف كل بلد، لمعرفة كيف تتم ولادة النظام العربي الجديد..!!

* كاتب وأكاديمي فلسطيني يقيم في النرويج. - salim_nazzal@yahoo.com