2012-11-25

عباس ليس ضعيفا.. عودوا إلى البيت..!


بقلم: زياد أبو زياد

بينما كان القتال يشتد ضراوة في قطاع غزة من خلال تكثيف القصف الاسرائيلي ضد الأهداف المدنية وغير المدنية دون استثناء في محاولة لالحاق الضرر في البنية التحتية للمقاومة وبنفس الوقت التسبب بإيقاع الألم بالمدنيين لتأليبهم وتحريضهم ضد المقاومة، كانت هناك هجمة من نوع آخر تدور رحاها في رام الله لتركيع القيادة وانتزاع التنازلات منها.

كان في خلفية هذه الأزمة الادعاء بأن الرئيس عباس فقد مصداقيته على الصعيد الفلسطيني، وأنه ضعيف لا يستطيع اتخاذ القرارات، وأن ارتفاع أسهم "حماس" سيمكن من انتزاع التنازلات منه على فرض أن المقابل لتلك التنازلات هو تمكينه من النجاة السياسية في البحر الفلسطيني المتلاطم.

كان الاعتقاد بأن تدمير القطاع وإضعاف حركة "حماس" وتحريض الناس ضد المقاومة سيُضعف من موقف الرئيس محمود عباس ويضطره للرضوخ للاملاءات الغربية بالتراجع عن عزمه التوجه للأمم المتحدة لطلب الاعتراف بدولة فلسطين ولو كدولة غير عضو في الأمم المتحدة. ولكن الصمود البطولي لشعبنا في غزة وتماهيه مع المقاومة، ونجاح المقاومة في الصمود وإحداث نقلة نوعية في أدائها تمثلت في قصف العمق الأسرائيلي، وبوادر الانتفاضة الشعبية في الضفة الغربية وارتفاع وتيرتها بشكل غير متوقع، أدى إلى إفشال المراهنات على إضعاف المقاومة بغزة والقيادة في رام الله، ووضع الرئيس عباس في موقف أقوى عزز موقفه في رفض الضغوط والاملاءات الأمريكية والأوروبية والدولية.

لقد تحولت رام الله إلى قبلة يؤمها وزراء خارجية الدول الأوروبية والأمريكية والاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة ولم يكن همهم جميعا ً إيقاف القتال في غزة بقدر ما كال منع التوجه للأمم المتحدة، وحين يئسوا من ذلك حاولوا فرض الشروط للسماح بالتوجه للأمم المتحدة من خلال انتزاع تعهد بعدم التوجه للمحكمة الجنائية الدولية إذا ما قُبلت عضوية فلسطين، ولكنهم فشلوا في ذلك أيضا كما تفيد كل المؤشرات.

وأستطيع أن أزعم بأن هدف التصعيد الذي بادرت اليه إسرائيل من خلال اغتيال الشهيد الجعبري وجر المقاومة للرد ومن ثم تفجير الوضع واندلاع القتال لم يكن محصورا في إطار ما يجري بغزة وانما كان يسعى إلى تحقيق عدة أهداف في مقدمتها منع القيادة الفلسطينية من التوجه للأمم المتحدة وخلق ظروف تحول دون ذلك، وتسجيل انتصار عسكري على المقاومة يُرصد لحساب الحملة الانتخابية لنتنياهو وليبرمان، وتحقيق معادلة إقليمية جديدة تكرس الهيمنة الاسرائيلية وتمكن إسرائيل من أن تظل لها اليد العليا في في شؤون المنطقة وحل المشكلة على حساب العرب.

لقد أدار الرئيس عباس الأزمة بحنكة وحكمة، فقد رفض التدخل المباشر في مفاوضات وقف إطلاق النار بحجة أنه لم يكن طرفا ً في إطلاقها وبالتالي فإنه لا يمكن أن يكون طرفا ً في مفاوضات وقفها. ورفض الانصياع لطلب تقديم تعهدات بعدم التوجه للمحكمة الجنائية الدولية إذا ما تم قبول فلسطين في الأمم المتحدة.

 ومع أن بعض من كانوا على تماس بالمحادثات مع الرئيس عباس والضغوط التي تمارس عليه أفادوا بأن حديثا ً جرى حول صفقة يتعهد فيها الرئيس بأنه إذا قُبلت فلسطين في الأمم المتحدة فإنه لن يتوجه للمحكمة الجنائية الدولية مقابل تعهد إسرائيل بتجميد الاستيطان وإطلاق سراح أكثر من مئة أسير كانوا قد اعتقلوا قبل اتفاق أوسلو إلا انه لم ترشح أية تأكيدات رسمية بشأن هذا الاتفاق.

وإذا كان من المؤكد أن الرئيس عباس سيتوجه إلى نيويورك لتقديم الطلب الفلسطيني الخميس القادم دون معرفة ما إذا كان ذلك مشروطا ً بشيء أم لا، فإن هذا الغموض لا يكتنف فقط موضوع الأمم المتحدة وإنما يشمل أيضا حيثيات وملابسات تنفيذ وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في القطاع وعلاقة ذلك بالتوجه للأمم المتحدة أو بصفقة متعددة الجوانب استطاعت أن تُقحم مصر فيما يجري أو أن تضع الشأن الفلسطيني تحت العباءة المصرية.

لقد أصبحت مصر ضامنة كافلة لوقف إطلاق النار بالقطاع وهذا ما يوحي بإمكانية "ديمومته" أو أن تكون لها اليد الطولى في تقرير مصيره، وإذا ما ربطنا ذلك بمساعي القيادة المصرية الجديدة الاندماج في الشرعية الدولية وتطوير علاقاتها مع الادارة الأمريكية وإثبات دورها ومصداقيتها، فإن من المتوقع أن تشهد الأسابيع والأشهر القادمة جُهدا ًمصريا ً وإقليميا ً ودوليا ً لتحريك المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية والدفع بإتجاه إيجاد حل لها بمعايير قد لا تكون الأفضل بالنسبة لنا..

إن هناك على الجانب الاسرائيلي من يعتقد بأن ضمان مصر للاتفاق بين المقاومة وإسرائيل ما سيمكن من حل المشكلة في حضن مصر بحجة أن إعادة غزة لمصر بكل ما يعنيه ذلك وما يتطلبه من إجراءات على الأرض هي الوضع الطبيعي الأمثل، ويحلم هذا الجانب بأن مثل هذا الحل سيفتح الباب واسعا ً أمام ابتلاع الضفة أوتنفيذ ما يسمى بالحل الأردني وإجهاض قيام الدولة الفلسطينية.

ولا شك بأن حصول فلسطين على اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية سيشكل أساسا ً ومرجعية دولية لشكل وحدود الدولة المستقبلية. وسيسجل هذا الانجاز إقراراً بدور "م.ت.ف" ورئيسها محمود عباس بغض النظر عن كل المناكفات والمماحكات السياسية بينه وبين خصومه.

المرحلة القادمة حُبلى بالمؤامرات والتجاذبات الفلسطينية والاقليمية والدولية، ولا شك بأن الوحدة الوطنية هي مطلب مُلح ٌ اليوم أكثر من أي وقت مضى، وعودة الجميع الى البيت الفلسطيني والعمل من خلاله هي الضمان الوحيد "لاستعادة" القرار الوطني المستقل والانطلاق نحو الهدف.

* الكاتب وزير سابق ومحرر مجلة "فلسطين- إسرائيل" الفصلية الصادرة بالإنجليزية- القدس. - ziad@abuzayyad.net