تعددت القراءات لأهداف ونتائج العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، ولما أفضت إليه من تفاهمات أدت إلى وقف لإطلاق النار، وهل ما تم التوصل إليه عبر الوساطة المصرية، هو وقف لإطلاق النار فحسب كما يحلو للإسرائيليين تسميتها؟ أم هي تفاهمات كما يسميها الفلسطينيون؟ أم تهدئة كما تعودنا على تسميتها بنهاية كل عدوان إسرائيلي؟
الحقيقة أن ما حدث هذه المرة ليس وقفا عاديا لإطلاق النار ولا هو تهدئة بالمعنى القديم للتهدئة، ولا هو تفاهمات ترقى إلى مستوى الاتفاق الملزم، بل هو توليفة من كل هذه المصطلحات مجتمعة، رسمت سكة يجوز معها القول أنها سكة كفاحية، رسمت مسارا يؤسس لكسر الحصار عن غزة، واعتبار غزة جزءا من الأراضي الفلسطينية المحتلة يتحدد مصيرها، في إطار مصير تلك الأراضي، فيما دفع نتنياهو في الربع الساعة الأخيرة لمفاوضات وقف إطلاق النار، إلى الدفع باتجاه ثلاث اتفاقات وليس واحد، الأول يتعلق بوقف إطلاق النار يمكنه من الخروج من عنق الزجاجة بعدما أصبح أمن تل أبيب مهدد، والثاني يتعلق بالحصار ويعتبره مشكلة فلسطينية مصرية، تحل بتفاهمات مصرية فلسطينية، متعلقة بمعبر رفح في تجاهل تام للمعابر الأخرى والحصار البحري، وعلاقة غزة بالضفة من ناحية المكانة كأراض محتلة، وبالتالي استكمال أهداف فك الارتباط الذي نفذه شارون عام 2005 عبر إلقاء غزة إلى الأحشاء المصرية، أما الاتفاق الثالث الذي سعى إليه نتنياهو هو تدويل مسألة "تهريب السلاح من الأراضي المصرية"، عبر اتفاق بين مصر وإسرائيل برعاية أميركية، لذا انتظر نتنياهو مجيء وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قبل الرد على المقترحات الفلسطينية، حيث أصرت فصائل المقاومة الفلسطينية على رزمة تفاهمات تتعلق بوقف إطلاق النار وفتح كافة المعابر أمام حركة البضائع والأفراد، ووقف الأنشطة العسكرية الإسرائيلية في منطقة الشريط الحدودي مع قطاع غزة..
والحقيقة أن هذه التفاهمات وافقت عليها إسرائيل، ولكن على قاعدة استمرار التفاوض بشأنها عبر الوسيط المصري، لذا لاحظنا في المؤتمر الصحفي الذي عقده ثلاثي العدوان نتنياهو باراك ليبرمان بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، أنهم تجاهلوا الحديث عن تلك التفاهمات وحتى عن وقف إطلاق النار، واكتفوا بالحديث عن انجازات الحرب من وجهة نظرهم، لأنهم أمام استحقاق انتخابي. ولكن هناك سؤال ظل بلا إجابة، وهو ما الذي فعلته كلينتون في كل تلك العملية، طالما أن حكومة نتنياهو بنهاية المطاف وافقت على المطالب الفلسطينية؟
الحقيقة أن الدبلوماسية الأميركية اعتادت في مثل هذه الأزمات على الذهاب نحو صيغ حمالة أوجه، كخيار أفضل من إظهار العجز في حل الأزمات، وتلك الصيغ تمكن كل طرف من قراءة الصيغة النهائية كما يشتهي، وهذا ما وافق عليه نتنياهو بالضبط، لذا قام في اليوم التالي بخرق وقف إطلاق النار عبر إطلاق النار على الشريط الحدودي، وأستشهد بنتيجة ذلك فلسطيني وأصيب تسعة عشر آخرين، وأراد نتنياهو القول من خلال تلك الحادثة أن الأمر بهذا الشأن قيد التفاوض، وهذا ينبئ بأن تلك التفاهمات ستحتاج إلى جولات أخرى من التصعيد لتثبيت كل نقطة فيها، وإخراجها من الصيغة حمالة الأوجه إلى الصيغة الواضحة. وهذا ما قصدته بالقول أنها سكة كفاحية، ولكن نتنياهو ذاهب الآن نحو الانتخابات ونحو معالجة آثار قصف تل أبيب والعمق الإسرائيلي، الذي قد يهدد بشرخ كبير على مستوى اللحمة الداخلية الإسرائيلية. أما فلسطينيا فظهرت بوادر لحمة فلسطينية بين الضفة وغزة، وتعززت علاقة غزة بالضفة لناحية المكانة، فلم يذهب الفلسطينيون بالاتجاه الذي أراده نتنياهو أي اعتبار الحصار مشكلة "فلسطينية مصرية"، وهذا ليس فقط على مستوى الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية في غزة، بل أيضا في رام الله أبدى الرئيس عباس حرصا على هذه المسألة وبدت الساحة الفلسطينية على قلب رجل واحد، وهذا ما لا يحتمل العودة إلى الوراء بل يتطلب السير نحو الأمام باتجاه تعزيز مكانة الأراضي الفلسطينية المحتلة، في إطار وحدة مصير واحدة، وبالتالي بات لازما ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وفقا لتلك المعطيات الجديدة، وأول تلك المعطيات أن الضفة هي أيضا في حالة حصار مالي وسياسي، كما غزة في حالة حصار، والعزل هو بمعنى من المعاني حصار للأطراف المعزولة عن بعضها البعض.
المطلوب إستراتيجية فلسطينية موحدة كخيار إجباري، ولا عودة إلى الوراء وإعادة أنتاج الانقسام أو حتى ترك الأمور على حالها، ففي ذلك تضييع للمنجز الفلسطيني وفيه تضييع للسكة التي رسمت، وبالتالي عودة الأمور إلى المربع الأول، حصار في غزة وضياع في الضفة، مع عودة زمام المبادرة ليد إسرائيل، والسكة الجديدة التي ارتسمت أخرجت زمام المبادرة من يد نتنياهو، هذا لا يعني أنها أصبحت تماما بيد الفلسطينيين، ولكن على الأقل بات بإمكان الجانب الفلسطيني التحرك والتحكم بمسار الأحداث ولو بشكل جزئي، وجل ما يحتاجه الأمر هو الثقة بأن الوحدة الوطنية تحافظ على الإنجازات وتجعل من الممكن البناء عليها، فيما الانقسام يضيع الانتصارات والانجازات كبرت أم صغرت.