2012-11-25

غزة.. وقيامة فارس عودة


بقلم: عبدالحميد الشطلي

 (المقالة بمناسبة الذكرى الثانية عشرة لاستشهاد البطل فارس عودة، والذي استشهد في 8/11/2000م).

ربما قلة من الفلسطينيين، وبعض العرب، والكثير من العالم لا تعرف الطفل الشهيد فارس عودة، ابن الخامسة عشرة، والذي وقف يتحدى دبابة "الميركفا" الإسرائيلية، في الأيام الأولى للانتفاضة الفلسطينية الثانية، انتفاضة الأقصى.

الطفل الشهيد يقف متحدياً جبروت القوة الباطشة الإسرائيلية بكل شموخ وإباء، وشجاعة الفلسطيني متسلحاً بحجر، نعم حجر، وشجاعة وكفى..! تتقدم الدبابة الإسرائيلية المجهزة بأحدث تقنيات وأدوات القتل والبطش والعدوان، ويصمد الطفل في مكانه متحدياً، لا يفزعه ضجيج جنازيرها الصاخبة، والذي يصم الأذان، ولا يخيفه رصاصها القاتل المنطلق من رشاشاتها الثقيلة، ولا يتراجع أمام النيران اللاهبة المتدفقة من فوهة مدفعها الطويل.

إذن الطفل يتحدى، ويتشامخ، ويتعاظم في تحديه ومواجهته، فيقذف مقدمتها بحجره الصغير، فيتكسر على فولاذها الأصم، يَذْهل الجنود الغزاة المحصنين خلف الفولاذ السميك والنيران المنفلتة من عقالها، ويكون قرارهم المجرم، القتل، نعم القتل للطفل الفلسطيني الشجاع والبطل، فيدفع فارس عودة حياته ثمناً لموقف وطني شجاع ومقاوم، إنه طفلٌ فعلَ شيئاً لوطنه، وفعل ما آمن به إنه الصحيح والحق، فوقع مضرجاً بدمه بنيران الموت الصهيوني، إنه طفلٌ يخيف دبابة.

لا شك أن الطفل الشهيد، كان مدركاً فارق القوّة بين الحجر والمدفع، وبين الحجر والدبابة المدججة بالسلاح المجرم القاتل، وإن حجره لن يكون بمقدوره إيقاع الأذى الجسدي في منْ يختبئ في مركبة الموت الحديدية، ولكنه يدرك يقيناً بحسه الطفولي المقاوم، إنه قادر على إيقاع الأذى النفسي فيمن يتحداهم خلف الفولاذ بكل ما فيه، وما معه، وما عليه، وإنه لا يخشاهم، وأكثر رسوخاً، وثباتاً من كل مواكب الموت الزاحفة نحوه لتقتل حريته، وحرية شعبه، شعب الجبارين (كما كان يحلو للرئيس عرفات القول دائماً).

إذن تسامت روح الحياة تحدياً في جسد الطفل النحيل، وتهاوت أرواح الجنود الغزاة إلى الحضيض.

إنها ليست مفارقة، أن يتحدى طفل فلسطيني دبابة، ويرعب الجنود ويصيبهم بالفزع والخوف، ولو لم يكن الأمر كذلك، لماذا قتل فارس عودة الطفل الصغير والذي يحمل حجراً، وليس كلاشنكوف، أو قنبلة يدوية؟ إنه قتل لأنه الفلسطيني المنبعث من شرايين الوطن، والأرض مطالباً بحقه في وطنه، إنه كطائر الفينيق والذي يعود للحياة، ففلسطين تستحق منا العطاء، وهي جديرة بالحياة، وكان اسمها فلسطين، وسيبقى اسمها فلسطين رغم أنف كل الغزاة، وكل الطغاة في فلسطين أو العالم. 

فارس عودة الطفل الفلسطيني الشهيد يرسم للفلسطينيين مشهد التحدي بغض النظر عن توازن الرعب والقوة، إن التحدي كان، وسيبقى قراراً، وبعض القرارات على غرار ما حدث، تعني الشهادة في سبيل هدف مقدس، ونبيل، إنه الوطن.

غزة هي جزء عزيز من الوطن، صمدت، تحدت، قاومت بروح فلسطين كل فلسطين، وهنا كانت مقاربة فارس عودة، غزة، تحاصر، تصمد، وتقاوم، غزة تخيف الغزاة، غزة تقصف تل أبيب، القدس، هرتسليا، بئر السبع، أشكلون، اسدود وكل المغتصبات في جنوب فلسطين.. غزة تفعل شيئاً هذه المرة، شيئاً يضيف في موازين المواجهة، وفي معادلة الصراع المفتوح مع المحتلين.. غزة تقول للقاصي والداني، هنا غزة، فلتقفز هنا، قد حلفنا اليمين، وأدينا القسم، وأطلقنا النداء أن تكون عملية عمود السحاب زوبعة في فنجان ليس إلا، وأن إسرائيل لن تتخلص من عقدة انكساراتها في العقد الأخير، في لبنان 2000/2006 وفي فلسطين، 2008/2009 وفي 2012م وإن غزة ستجعل من قامر (نتنياهو وفريق حربه براك – ليبرمان) بحساب مصالح الصهاينة، شارباً من دماء الفلسطينيين، يعض أصابع الندم، على عدم المسؤولية، وسوء التقدير، لأن المقامرات الفاشلة تنفجر في وجوه مطلقيها، هزائم، تراجعات، وخيبات.

غزة قدمت 168 شهيداً، 1225 جريحاً، والعشرات من البيوت والمؤسسات المدمرة، ولكنها قالت بالفم الملآن (لا شيء يقدر أن يسد طريقنا.. إنّا شداد أقوياء، خطواتنا على الطريق بلا انتهاء، يا أيها الهدف المضيء مليون رابطة، وأكثر بيننا، يا أيها الهدف المضيء، لن نستطيع سوى المضي إلى هناك حيث الضياء، حيث الجموع الزاحفة إلى الضياء) (اقتباس بتصرف) جولة حرب غزة، تقول للجميع، يا سادة، يا سادة، كفى انقسام، مظاهرات الفلسطينيين في كل مكان، خاصة في الضفة، تقول كفى انقسام، وكفّوا عن استدراج عروض تفاوضية، في زمن يتطلب استدراج عروض وحدة وطنية، ومقاومة، فلم يعد حلم ستة ملايين فلسطيني لاجئ، وهم ليس إلا، سقوط الصواريخ على تل أبيب، والقدس وغيرها من المدن والمغتصبات الصهيونية، أحيى أمل العودة، ودق مسماراً في نعش طموحات نتنياهو (قيصر إسرائيل الجديد) ونعش دولته المزعومة.

أيها الفلسطينيون إياكم أن تصابوا بالعمى الراداري، وتضيعوا فرصة وحدتكم الراهنة.

* كاتب فلسطيني وأسير محرر. - abdelhamidabuwesam@gmail.com