2012-11-25

الطَرف الأصَمْ وعربٌ آخرون..!!


بقلم: عدلي صادق

الكاتب الإسرائيلي الهجائي الساخر كوبي نيف Kobi Niv أدلى بدلوه أمس، في مسألة الحرب الإجرامية الدامية والفاشلة، التي شنها  المحتلون على غزة. فالرجل، متعدد المواهب الإعلامية، التي انبثقت كلها عن تكوينه الدراسي الأساسي، كمتخرج من الجامعة العبرية في علم النفس. هو إذاً، متخصص في تشخيص المأزومين، فضلاً عن كونه كاتب سيناريو، ومقدم برامج تلفزة، وصاحب مقطوعات هجائية، ويستخدم عامية عبرية "مِشَبْرحَة".

يقول المذكور، إنه لطالما وعَدَنا الحاكمون الإسرائيليون والعسكريون، بالقضاء على ما سمّاه "الإرهاب" الفلسطيني. فقبل إحدى المناسبات الانتخابية، توجه شارون الى جمهور الناخبين، بوعد مُهم وشديد الحساسية:"القضاء على الإرهاب" واستند في وعده ذاك، الى ما قال إنه أنجزة عندما كان قائداً عسكرياً معنياً بالقاضاء على "الإرهاب" في أوائل سبيعينات غزة، وفي ثمانينيات غزة والضفة. وقال "نيف" ما معناه: مع مرور السنين، نجد أنفسنا أمام وعد متجدد، بـ "القضاء على الإرهاب" دون أن يسأل سائل منّا: ألم تكونوا أنهيتموه فعلاً، أم إنكم كنتم تكذبون أو كنتم فاشلين؟ إن زعمتم أنكم ناجحون وصادقون؛ فلماذا علينا أن نذهب مرات أخرى، لكي نُنهي هذا "الإرهاب" الذي قلتم إنه انتهى، ثم كررتم ضمناً ما يعني أنه لم ينته؟!

وفي السياق، يقول "نيف" إن حاكمي إسرائيل وعسكرييها، كلما عادوا لإنهاء "الإرهاب" يرفعون سقف النيران من تحت الطناجر، ولسان حالهم يقول: لعل هؤلاء الفلسطينيين "التنابل مغلقي العقول" يفهمون أن مسعانا هذا، هو النهائي والقطعي. لكن الذي يحدث في كل مرة، أن النيران تذهب هباءً..!

 هذه المرة، في "عمود السحاب" ـ يستطرد "نيف" ـ قال الحاكمون والعسكريون، إنهم  ذاهبون لسحق "رأس الأفعى" في غزة بـ "عمود السحاب" الذي أعلنوا عنه. وبناءً على هذا الوعد، تهيأ المختصون في علم الزواحف للأمر الجلَلْ، وظنوا أن "الأفاعي" ستتحول في برهة قصيرة، الى يرقات ناموس (بعوض) وجهزوا نصيحتهم: لم يتبق علينا، سوى تجفيف البحيرة التي تسكن فيها اليرقات، لكي ينتهي كل شىء..!

يخلص "نيف" الى القول: لقد بدا، من خلال التجارب، أن هؤلاء الفلسطينيين، ليسوا إلا عرباً آخرين مختلفين، وهذا ما ينبغي أن نعيه، إن كنا جادين. وفي الخاتمة يروي حكاية رجل مع زوجته "رفقة". ذهب الزوج الى طبيب الأنف والحنجرة، يقول إن "رفقة" بدأت تفقد حاسة السمع. طلب منه الطبيب إحضارها للفحص. رد الزوج إنه لا يرغب في جرح مشاعرها، إن تفاجأت بأنها باتت صماء. التمس من الطبيب طريقة لفحصها في المنزل، بدون وجود الطبيب. هذا الأخير قال له، اذهب يا رجل وخاطبها بصوت عالٍ من أبعد نقطة في المنـزل، ثم اقترب على خمس مراحل كرر النداء، واختبر سمعها في كل مرحلة، ثم قل لي عن بُعد أية مسافة، في مقدورها أن تسمع؟. ذهب الزوج للتطبيق، وصرخ من أبعد نقطة: "يا رفقة، ماذا أعددتِ لوجبة العشاء؟". شعر أنها لم تسمع، بدليل أنها لم تُجب. تقدم خطوات وخطوات، بالسؤال نفسه بصوت عالٍ. وأحس على أربع مراحل، أنها لا تسمع. اقترب منها في المطبخ، وعلى بعد مترين، سجل محاولته الأخيرة صارخاً. عندئذٍ فوجىء بها ترد الصرخة بمثلها حانقة مندهشة: "يا أطرش، خمس مرات قلت لك، شورية دجاج وبعض قطع اللحم وأرز"..!

*   *   *

المحتلون يظنون أن لديهم درساً قيّماً، ومعالجة سديدة، بينما نحن الذين لا نُشفى ولا نسمع ولا نفهم. وفي واقع الأمر، هم الذين ينبغي عليهم أن يتعلموا وأن يسمعوا وأن يفهموا وأن يبرأوا من عللهم. درسنا الوطني معلوم لدينا وهو مسموع عند كيثيرن من مجتمعهم الأكاديمي والإعلامي، مثلما كانت "رفقة" تسمع السؤال وترد، وتعلم ماذا أعدت لزوجها. بسلامته، كان الزوج، الذي نَصّبَ نفسه الطرف الأجدر باختبار "رفقة"؛ يتوهم أن سَمْعَهُ أكثر حدة وأن دَرسَه أبلغ وأصوَب. لكن الحقيقة، إنه هو الغبي الأصَمْ.

حكاية "رفقة" مع زوجها، هي المعادل الموضوعي لحكايتنا معهم. فما زال المعتوهون، يرونها مشكلة "إرهاب" وأفاعٍ ومستنقعات. لا يرونها قضية شعب، وجناية احتلال، وتطفلات استيطان مهووس مسكون بعنصرية ظلامية مقززة. هم لا يرونها طَرَشاً مديداً، لا يستمع المصاب به، لنداءات العقل، ولا لهمسات أو صرخات الأمم المحبة للعدالة، ولا لقرارات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان..!

ما أحوجنا الآن الى صرخة شبيهة بصرخة "رفقة": قلنا لكم ألف مرة. ألا تسمعون يا طُرشان؟!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com