يعترف العدو الإسرائيلي أن حملته الدموية "عمود السحاب" لم تنجح في استعادة "هيبة قوة الردع" التي كان يتمتع بها جيشه، والتي كانت، في حسابات العدو، تشكل ركنا أساسيا من أركان دوره العدواني في المنطقة. باعتباره صاحب أقوى جيش وتكفل له الولايات المتحدة التفوق العسكري على الدول العربية مجتمعة، عبر توفير السلاح والتكنولوجيا العسكرية والمعلومات الاستخبارية، والدعم الاقتصادي والمالي، والسياسي والمعنوي. (وإلا فكيف نفسر مشاركة السفير الأميركي في إسرائيل تفقد بطاريات صواريخ "القبة الحديدية").
ويعترف العدو أنه وصل إلى مأزق عسكري سياسي شديد التعقيد، فهو من جهة لم يحقق أهدافه الإستراتيجية من عدوانه الدموي، وهو في الوقت نفسه يخاف من يحول حربه الجوية إلى حرب برية، ليس لأنه لا يريد أن يوقع المزيد من الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين، فيفقد تأييد الولايات المتحدة وأوروبا (بدعوى أنه الآن يحارب الإرهاب ويمارس حربا دفاعية ضد صواريخ المقاومة) بل لأنه يخاف أن تقع في صفوف جيشه خسائر فادحة في الأرواح، خاصة إذا ما توغلت دباباته وآلياته بين الأحياء السكنية، وهذا ما سوف ينعكس سلبا على سمعة قيادته الحالية، التي قد تخسر الانتخابات القادمة كما سينعكس على سمعة "الجيش الذي لا يقهر"، والذي يتأكد له، للمرة الثالثة أنه عاجز، رغم كثافة النار، والتفوق التكنولوجي عن تحقيق أهدافه العدوانية: في لبنان عام 2006، وفي حرب "الكانونين" في غزة 2008/2009، والآن في "عمود السحاب" في غزة أيضا. وبالتالي، يرى العدو أنه كي يخرج من مأزقه الحالي، هو مدعو للدخول في مأزق عسكري جديد، لا يدري كيف سيخرج منه، ولا يدري كم من الدبابات أو من الجنود، إذا ما دخل غزة، سيتمكنون من العودة إلى منازلهم. ولهذا نقول مع القائلين: إنهم يعرفون كيف يبدأون حربهم، لكنهم لا يعرفون كيف ينهونها ويخرجون منها.
هذا المأزق استدعى تدخلا أميركيا سافرا، تمثل بالاتصالات المحمومة للرئيس أوباما، مع القاهرة، والدوحة، والرياض، وتل أبيب، ورام الله، ومع العواصم الأوروبية. كما استدعى تحركاً مباشرا وميدانيا لوزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، في جولة لها في المنطقة لبحث ترتيبات وقف النار، وترتيبات إخراج نتنياهو وباراك من مأزقهما وحفظ ماء وجه إسرائيل على الصعيد الإقليمي. كما استدعى، هذا المأزق، استنفاراً سياسياً في إسرائيل بحيث باتت الحكومة المصغرة تعيش حالة اجتماع مفتوح، تقلب الأمر على كل الوجوه، بانتظار الإشارات الإيجابية والوصول إلى اتفاق يمنع عن مدنها سقوط الصواريخ الفلسطينية، ويعفيها من شرب الكأس المرة [والمرة جدا] للعملية البرية.
إذن، انتقل الوضع إلى المفاوضات السياسية، وهي مفاوضات تشكل المقاومة الفلسطينية المسلحة الطرف الرئيس في مواجهة العدو الإسرائيلي، وهي مفاوضات من نوع آخر، تختلف عن المفاوضات العقيمة التي يعيشها المفاوض الفلسطيني منذ حوالي عشرين عاما دون جدوى، بل في ظل تقهقر في وضع المفاوض الفلسطيني، تحت وطأة التعنت الإسرائيلي، واستخفافه بقرارات الشرعية الدولية، وخطة "خارطة الطريق" [العزيزة جدا على قلب المفاوض الفلسطيني] وحتى "نداءات" و"تمنيات" اللجنة الرباعية نفسها، بشأن وقف الاستيطان. وبالتالي فإن ما نتابعه الآن، من اهتمام إقليمي، ودولي بالوضع في إسرائيل وقطاع غزة، يشكل مشهدا سياسيا جديدا، من خلاصاته أن الحالة الفلسطينية تستطيع أن ترفع سقفها السياسي إلى الحد الذي يرتقي عاليا بما يستجيب للمصالح العليا.
لذلك كانت اشتراطات المقاومة، بفصائلها مجتمعة [وهذا ما بلورته الفصائل الفلسطينية في لقاءاتها في غزة] تتمثل بمطالب تنقل القطاع من حال إلى حال: فك الحصار عن القطاع، بما في ذلك حرية استيراد حاجاته كاملة بما فيها مواد البناء وغيرها، فك الحصار عن بحره، إعادة الشريط الأمني في شمال وشمال شرق القطاع، وقف الاغتيالات، وقف كل أعمال العدوان، بما فيها التوغل في القطاع بدوريات قتالية بين فترة وأخرى. والأهم من هذا أن المقاومة التي لا تثق بالعدو الإسرائيلي، طالبت بضمانات عربية وإقليمية ودولية. وكان إسماعيل هنية واضحا في حديثه أثناء استقبال رئيس الحكومة المصرية هشام قنديل، حيث دعا الولايات المتحدة "إلى التحرك".
من الواضح أن الجانب الإسرائيلي هو أيضا راغب في وقف لإطلاق النار، يضمن له وقف سقوط الصواريخ على مدنه وبلداته، بعد أن تبين له أن الذراع الصاروخية للمقاومة طويلة، بحيث تطال ـ تقريبا ـ كل شبر من البلاد. وبحيث تحول حياة الإسرائيليين إلى جحيم لا يطاق. لكن الضمانة التي يصر العدو عليها، وهذا متوقع ولا يشكل مفاجأة تفاوضية هو أن تتوفر له ضمانات بمنع وصول السلاح ـ خاصة سلاح الصواريخ ـ إلى قطاع غزة. أي بتعبير آخر، منع السلاح عن المقاومة، طبعا في الوقت الذي يواصل فيه هو تخزين السلاح بما فيه الأكثر تطورا. ويرى العدو أن الجانب المرشح للعب هذا الدور وفرض رقابة على منع وصول السلاح إلى غزة ـ عبر سيناء وعبر الأنفاق ـ هو القاهرة، وهذا يعني توفير آلية عمل جديدة، بين مصر وإسرائيل لفرض رقابة مشتركة على سيناء والأنفاق، والبحر، وأية منافذ يمكن أن تشكل طريقا لوصول السلاح إلى القطاع، أي، أننا سنكون، في حالة تمّ التوافق على ذلك، أمام علاقات إقليمية جديدة، وتحت رعاية أميركية، [وهذا أمر يحتاج إلى قراءة خاصة لا نرى أن المكان هنا يسمح لنا بالدخول في تفاصيله].
يبقى جانب لا بد من التطرق إليه لأهميته في الحسابات الفلسطينية على الصعيد الوطني العام، هو مدى انعكاس الحرب العدوانية في القطاع، على الضفة الفلسطينية بشكل عام، وعلى المفاوض الفلسطيني بشكل خاص. فغزة وإن كانت الآن تحت سلطة الأمر الواقع متمثلة في حركة "حماس" وحكومتها، إلا أنها جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة وجزء لا يتجزأ من «الموضوع» الفلسطيني. في هذا الجانب لدينا ثلاث ملاحظات أولية نعتقد أنها تحتاج إلى تعميق، لاحقا، بعد أن ينجلي "سحاب" وضباب العدوان، وينجلي دخان نيران الصواريخ الفلسطينية في الأهداف الإسرائيلية:
لقد خرج سكان الضفة الفلسطينية في تظاهرات صاخبة دعما لأهلهم في القطاع في مواجهة العدوان. الملاحظ أن السلطة التي "سمحت" بهذه التظاهرات، تصرفت وكأنها تقوم بعمل "استثنائي" و"خطير"، وأنها تمارس "الكرم" إزاء الشعب الفلسطيني، لكنها اشترطت أن تكون مظاهر الاحتجاج "سلمية"، وأكدت على هذا الشرط، لأنها لا تريد صداما مع العدو الإسرائيلي. طبعا الحركة الشعبية لم تكن بحاجة لإذن من أحد لتنزل إلى الشارع دعما للقطاع، كما أن الحركة الشعبية المنطلقة من إرادة عموم الحالة الشعبية، لا تحتاج إلى تعليمات من أحد، وليست ملزمة بالانضباط لهذه التعليمات والإصرار على "السلمية"، وكأن نزعة العدوان تكمن لدى الشارع الفلسطيني، وليست لدى العدو الإسرائيلي الذي يقمع كل تحرك شعبي فلسطيني، سلميا أم غير سلمي، بالحديد والنار. يبدو أن صاحب القرار في الضفة الفلسطينية مازال يعيش لحظات ما قبل العدوان على القطاع ولحظات ما قبل التطور الذي أحدثه صمود القطاع، وتداعيات هذا الصمود سياسيا وعسكريا.
كان لافتا للنظر أن العواصم المعنية تحركت باتجاه ملف العدوان على القطاع، وبقيت رام الله تراوح في مكانها، تؤكد على لسان المسؤولين فيها إصرارها على تقديم طلب العضوية إلى الأمم المتحدة، غاب عن بالها أن ضخامة العدوان وأن الرد الفلسطيني إلى الحازم والحاسم، دفع بقضية مقعد الأمم المتحدة إلى الخلف، وقدم إلى الأمام قضية المقاومة ودور المقاومة في تعزيز الفعل الفلسطيني. ربما هذا ما يفسر لنا لماذا أحجم الرئيس الفلسطيني عن الانخراط في التحرك السياسي الخاص بالقطاع، وبقي في رام الله، في الوقت الذي كانت فيه القاهرة تشهد تحركات واتصالات، مثّل فيها الجانب الفلسطيني خالد مشعل، وليس رئيس اللجنة التنفيذية في "م.ت.ف".
أخيرا وليس آخراً؛ هل يمكن قراءة العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية، كيف ستكون عليه في الأيام القادمة؟ في الضفة شهدنا بعض الإعلانات عن إنهاء الانقسام. لكن هذا لا يلغي أننا ما زلنا أمام انقسام عنوانه أن سلطة غزة هي ليست سلطة رام الله. السؤال: هل سنذهب ما بعد العدوان نحو المصالحة، باعتبار أن الوحدة الوطنية قوة في وجه العدوان، أم أن الحرب عززت "كيانية" حماس في القطاع، وعززت استقلالية هذه الكيانية، خاصة إذا ما توصلت القاهرة إلى مشروع هدنة، يعزز علاقة القطاع بمصر، اقتصادياً، وسياسياً وأمنًيا؟