2012-11-24

رسالة إنسانية من غزاوي الى تل ابيبي


بقلم: راضي د. شحادة

(رسالة انسانية جدا مهمة جدا وصلتني عبر الفيسبوك، وجّهها بالعبرية شخص اسمه "خليل" من قطاع غزّة، الى "بوعز" من تل- ابيب (تل الربيع بالعربية) واجتهدت وترجمتها للعربية بطلب من صديق لي في الضفة الغربية لا يجيد العبرية)

الى "بوعز" من تل ابيب

سلامات "بوعز"، انا خليل من غزة.

استلمت رسالتك وخطر ببالي الرد عليك. اولا اسمح لي ان اشكرك على طلب الحوار، لأنه كما يبدو لي فأنا وانت فقط نفعل ذلك. من جهة اخرى انزعجت من نبرتك التي كانت بغالبيتها استعلائية ومتغطرسة. "بوعز"، انا لست غبيا وانت لست مضطرا لتفسير كل الأشياء التي اجتهدت لتفسيرها بلهجة سلبية هجومية تدّعي بالمودّة. انا اعرف ما معنى صاروخ، وأعرف بالضبط ما يجري من حولي، ولكنني أفترض بأنه من الأسهل ان تفترض بأنني غبي. هذا يساعدك بأن تشعر بأنك حكيم.

أوافقك الرأي بأننا متشابهان، ولكن مع بعض الفوارق. فأنا أصعب عليّ ان أجد رزقي. انا مثل 80% من سكان غزة يعيشون على اقل من 2 $ لليوم. نحن مسجونون داخل سجن مكتظّ بظروف غير إنسانية. وفارق آخر، فأنا لا أفكر بالجنس ولا أنام مع هكذا تخيلات. وأصارحك أكثر بأنني وزوجتي الجميلة لا يوجد لدينا رغبة في ممارسة الجنس، فكيف تأتينا الرغبة بينما كل خمس ثوانٍ نسمع انفجارا يصمّ الآذان تجعل جسدك متوترا؟ انا وزوجتي مشغولان في كيفية البقاء على قيد الحياة، والى هذه الغاية نوجّه كل طاقاتنا. أقول لك بصراحة بأنني أشتاق كثيرا لابتسامة من زوجتي. عندما تعرفت عليها قبل 10 سنوات كانت حيوية ومُزَهْزِهة. شابة وتحلم بأن تصبح مصففة شعر. أذكر ابتسامتها التي كانت تغمرني بالحياة، ورائحة الياسمين التي كانت تفوح من شعرها، وأشتاق كثيرا لما كانت عليه حينذاك. شيء ما فيها انطفأ. انها انقطعت عن الابتسام. نحاول الحفاظ على حبنا، ولكن على ما يبدو لا مكان للحب في منطقتنا.

أهه.. وشيء آخر "بوعز".. ابنتي لن تموت هذه الليلة..

انا مضطر لمصارحتك بأنني كنت خلاّقا جدا عندما وصفت بالرسم جثّة ابنتي الصغيرة المحروقة. تخطّى هذا كل الذوق الطيب، وانا اعترف، فقد مرت برأسي بعض الشتائم من العيار الثقيل تجاهك. اشعر يا "بوعز" بأنك لست أباً. لو كنت والدا ما كنت مستعدا ان تصف بالتفصيل المملّ جثة طفلة صغيرة محروقة وهي بجيل ابنتك.

على كل حال، ابنتي لن تموت الليلة وهائنذا أشرح لك لماذا.

أنت تعلم يا "بوعز"، بأنه لا يوجد لدينا في غزة ملاجئ وغرف أمان. كل ليلة انا وزوجتي وابنتي ننام على فرشة واحدة. انا أنام الى جانبهما لأنّ هذه الوضعية هي الوحيدة المتاحة لي كي أحميهما. انهما أغلى ما أملك في الحياة. أحميهما هكذا: في كل مرة أسمع فيها صوت انفجار أقفز فوقهما وأحمي جسدهما بجسدي. لقد طوّرت لنفسي شكلا ذكيا من رد الفعل الغريزي جعلني على ثقة داخلية وحدس صائب بأنني حتما أضمن سلامتهما. هذه هي الوسيلة الوحيدة لديّ يا "بوعز"، وأعدك يا "بوعز" بأنّ ابنتي لن تموت ما دمتُ انا حيا.

اجتهدتَ كثيرا ايضا في تفسيراتك عما يحدث هنا، ولرفض هذه الحرب. انا أدرك تماما ما يحدث من حولي ولم تتحفني من طرفك بأي جديد تفيدني به، ولكن خطرتْ ببالي بعض الأسئلة التي فكرت ان أوجّهها لك.

أنت تطلب مني أن أقوم بشيء ما. أن أعبّر عن رأي مخالف للفكر السائد من حولي، وأن أرفض هذه الحرب. أنت تلقي عليّ بالمسؤولية- التي جزء منها منطقيّ- ولكن ماذا عن مسؤوليتك أنت يا "بوعز"؟! هل أنت مستعد ان تفعل لنفسك ما تطلبه مني؟ هل جرّبت التفكير مليّاً عن معنى هذه الحرب ام انّ ردّك كان متسرعا وبدون تأنٍّ مما جعل رسالتك ساخرة وليست موجها لي فقط وبشكل شخصي؟ أتظنّ انك تعرف كل الحقيقة؟ هل انت واعٍ لكل المصالح المرجوة من هكذا حرب؟ هيا، بحياتك يا "بوعز"، لا تكن ساذجا. أنصحك بأن تبحث عن الحقيقة، ولكن ليس من خلال وسائل الميديا الإسرائيلية، لأنك لن تجد الحقيقة هناك. إفتح عينيك على وسعهما يا "بوعز"، ووسّع آفاقك. فكر بالاستيطان، الحصار، تفجير محطات الكهرباء، تدمير البنى التحتية، وفكّر عن شعب يراد له ان يكون بلا مستقبل. انا على يقين بأنك لن تنتظر الى حين يموت هذا الشعب خنقا وبهدوء.

أظن ان أسئلة مثل "من الذي بدأ أولا؟" او "من المذنب؟" هي اسئلة لا تقدّم ولا تؤخّر ولا توصل لأي مكان. بالضبط مثل السؤال من الذي أتى في البداية البيضة ام الدجاجة. تَحرَّر من هناك يا "بوعز".  انت آت من شعب عانى الكثير طوال سنين عدّة، وبالذات من محرقة، وبدون شك فإنها صدمة لأجيال، وهي تنخر في نفس كل انسان من شعبك. في كتاب "الانسان يبحث عن معنى" لفيكتور فرانكل (نعم "بوعز" انا إنسان مثقف) وصفَ حادثة وقعتْ بعد ان هرب هو وصديق له من معسكر الإبادة. كانا يقطعان حقل قمح وراح صديقه يدوس سنابل القمح ويخرّبها. طلب منه فرانكل بألاّ يفعل ذلك، فأجابه صديقه بغضب بأنه لا يفهم كيف يطلب منه ذلك بعد كل هذا الظلم الذي سببه لهم سكان تلك المنطقة. قال له فرانكل: إنك حتى وإن تعرّضت لكل الظلم الذي في الدنيا فهذا لا يعطيك الشرعية بأن تؤذي الآخر. مشكلتكم يا "بوعز" في دولتكم انكم لا تفكرون هكذا، وانكم تقومون بالشر الذي نزل عليكم كتبرير لما تقومون به ضدنا فتؤذوننا.

انا سعيد بأنه تم بيننا هذا الحوار (ما حافظت على احترام لجهتك من طرفي، ولكن ليس من طرفك) بالرغم من انني اشعر بأنك لم توجّه هذه الرسالة بالذات لي شخصيا. لدينا بالعربية يوجد مثل يقول: "أحكيكي يا جارة ت تسمعي يا كنّة". يبدو انك كتبت هذه الرسالة لكي تخفّف عن أبناء شعبك لكي تعفي نفسك وتعفيهم من اية أي مسؤولية او ذنب- وللأسف فهذا لن يقودنا الى أي حل. المسؤولية لا تقع عليّ فقط، بل على كلينا لكي نصوغ "سلاما" بمصطلحات عادلة ومقبولة على كلينا. ليس "السلام" الذي تقرره أنت من أجلي وتريدني أن أتصرف بناء على طلباتك. انني واعٍ بأنّ لدي الكثير من المشاكل في البيت، وبأن الديمقراطية الآن ليست الوجهة القوية لدينا(النقد الذاتي شيء مهم، وأقترح عليك ان تمارسها أحيانا)، ولكن ماذا بخصوص بيتك انت؟ وماذا بخصوص الكراهية الموجودة لديكم؟ ماذا بخصوص ديمقراطيتكم؟ من انتخبتَ ومَن ستنتخب في الانتخابات؟ هل تستطيع القول بأنك فخور فعلا بالناس الذين يمثِّلونك؟

ابنتي الرائعة تهديك سلاماتها، وهي لا زالت الى الآن على قيد الحياة.
عمت مساء

خليل  

* مسرحي وكاتب فلسطيني من الجليل. - asseera.theatre@gmail.com