التهدئة، كلمة تناولتها وكالات الإعلام والصحف والفضائيات وصُورَت على أنها الانتصار الذي لطالما حلم به الشعب الفلسطيني وكل الداعمين للقضية، وشاهدنا الفرحة والاحتفالات التي عمت شوارع غزة والضفة الغربية ومدن فلسطينية أخرى محتلة، وخاصة في غزة القلب النابض للمقاومة الفلسطينية، وكيف لا يحتفل سكان غزة بعد انقضاء ثمانية أيام من القصف الهمجي الوحشي المتواصل والقتل العمد للمدنيين الأبرياء ليضيف الصهاينة بهذا صفحة أخرى في سجل الجرائم ضد الإنسانية التي لا يتورع عن ارتكابها، ولتسجل غزة صفحة أخرى من صفحات التاريخ المشرفة بصمود أهلها وصبرهم وثباتهم خلف أبنائهم في خندق الشرف والكرامة.
"حجارة السجيل ترجم وعامود السحاب يستغيث"، لعل الأداء القتالي لفصائل المقاومة في غزة من ترتيب للخطط الحربية سلفاً وتوزيع المهام ونشر الدفاعات الأرضية وفق حسابات جغرافية دقيقة كان الأمر الأكثر تميزاً خلال فترة العدوان وهي جاهزية عالية أظهرتها فصائل المقاومة رغم الحصار ومنع استيراد السلاح والمعدات العسكرية، على عكس الجيش الصهيوني الذي يحظى بكل الدعم والتشجيع الأمريكي والغربي بالمساندة المالية والمعلوماتية والعسكرية وكل الأسباب لجعلها الدولة الأقوى في المنطقة، ولكن بالرغم من كل شيء كان الصمود الأسطوري للمقاومة في غزة ومن خلفهم الأهالي المدنيين هو الرقم الصعب الذي أثبت من جديد ضعف النار والحديد في مواجهة شعب اختار الكرامة.
"عودة السلم الأهلي ومصالحة ضمنية دون وساطة ولا طاولة مفاوضات"، إن أكثر الإيجابيات في هذه المعركة هو انهيار جدران العزلة بين فصائل المقاومة الفلسطينية وعودة السلم الأهلي من جديد ليكون الأرضية الصلبة التي ارتكزت عليها "غرفة العمليات المشتركة بين الفصائل الفلسطينية المسلحة" في مواجهة الحملة الصهيونية، وارتكزت عليها الجماهير الفلسطينية وهي ترفع رايات الجميع من أجل الجميع، وهي مصالحة بدون مصُالح ولا مصَالح فالكل اجتمع وتوحد من أجل القضية من دون طاولة مفاوضات ولا جامعة عربية ولا زيارات متكررة بين القاهرة وفلسطين.
"أميركا تسمن عدو أصدقائها"، لا ننسى التصريح الأمريكي على لسان وزيرة خارجيتها والتي قالت نحن على استعداد للتعامل مع أية حكومة إسلامية في مصر في إشارة لحركة الإخوان والتي تلاها سيطرة الحركة على الحكم في مصر، ولا ننسى ويكيليكس وتسريباتها بشأن آلاف الوثاق بين أمريكا وتركيا والتي تعنى بالتعاون بين البلدين والرؤى الإستراتيجية المشتركة، ولا ننسى قرابين الولاء القطرية المقدمة لأميركا حتى ترضى ولن ترضى، ولكن مع كل أسفي فإن صديق مصر وشريك تركيا وحامي قطر هو ذاته الأب الحنون الذي يدافع عن إسرائيل كدفاعه عن واشنطن، فكيف يستوي الأمران! إن زيارة الأمير القطري الذي خسر الكثير من وزنه الدولي ومن وزنه الجسمي، أثارت تساؤلات الكثيرين ولكن العتب على النظر! والعتب على العيديد والسيلية! وكأن تلك السجادة الحمراء التي مشى عليها الأمير تحولت لدماء بعد أيام من بسطها، والسؤال هنا إلى أي حد نستطيع ائتمان أصدقاء أمريكا على أسرارنا وأهلنا، وإلى أي حد نستطيع تلقي الدعم والمساعدة منهم، فعذراً لأن المثل يقول "صديق عدوك هو عدوك".
"وقف إطلاق النار بين احتفال واحتمالين"، لم تطالب فصائل المقاومة الفلسطينية الشجاعة بهدنة أو تهدئة ولم تتشجع لها بل وحتى رفضتها حسب مصادر فلسطينية، ولم نرى تململ ولا تذمر من الشعب الفلسطيني في غزة وإنما رأينا الصبر كل الصبر والثبات في المعركة، على عكس الهاربين للجحور والمآوي من الصهاينة، فضلاً عن الموقف الحرج الذي واجهه قادة الكيان الغاصب أمام شعبهم الذي وعدوه بالأمان والسلام، إذا فلمصلحة من كانت التهدئة؟ ومن الذي كان في حاجتها؟
الشعب الفلسطيني ومن أمامه أبنائه الأبطال في ساحات الوغى اختاروا الهجرة جماعات وليس فرادى نحو الموت في سبيل الله ومن أجل القضية، والكيان الصهيوني يحلم ببسط سيطرته التامة على كامل الأراضي الفلسطينية وإعلانها دولة صهيونية بالكامل ومن ثم يتفرغ لاجتياح (...)؟
ولكن الصهاينة في هذه المعركة حسب رأيي عملوا من أجل أربع أهداف رئيسية، وهي أولاً كشف القوة الحقيقية للمقاومة الفلسطينية وتركيبة غرف السيطرة والتحكم، وثانياً اختبار المثلث الإسلامي الجديد، تركيا ومصر وقطر ليثبت الصهيوني لشعبه أن الإسلام بات في أيدي أمينة وأنه يكتفي بالبيانات والمظاهرات وحتى لو قرر المثلث الخطير العمل فإنه يتجه للسلطان الأمريكي والحكم لمصلحة صهيون. أما الهدف الثالث للحملة هو إعطاء رسالة واضحة للشعب الفلسطيني بأن الجيش الصهيوني لا يمزح وهو ينتهج سياسة القتل المجنون وأن العالم غير قادر حتى على فرض تهدئة لا يريدها الكنيست! الهدف الرابع والأخير هو طرح إسرائيل كدولة تتعرض هي الأخرى للاعتداء وبالتالي تكسب تأييد المجتمع الدولي لحماية نفسها ويتحول الصراع بين معتدي ومعتدى عليه، إلى صراع بين ندين، والندية هنا لن تكون عادلة بسبب بطلان حجة الصهاينة وتلقيهم للدعم وبسبب أحقية الشعب الفلسطيني في قضيته وتضييق الخناق وفرض الحصار عليه.
"إقناع العالم بأن عامود السحاب تتجه بشكل قاطع لعملية برية" صرح مسئولون عسكريون صهاينة عبر قناة الجزيرة وقنوات عبرية وعربية أخرى بأن العملية البرية في غزة باتت وشيكة، وعززت هذه التصريحات بتسريبات عبر مسئولين صهاينة آخرين أكدوا عزم قيادتهم على القيام بعملية برية، ولكن الخبر الذي أطلقته القناة الإسرائيلية العاشرة بخصوص العملية البرية في غزة هو خبر كاذب من البداية وكان غرضه بالأساس المساهمة في تحقيق أهداف الحملة، إذ أنه من غير المعقول تراجع الجيش الصهيوني عن أداء مهمته خاصة في جيش يعول على التعبئة النفسية لجنوده، ولكن هذا الخبر للأسف لاقا ترحيباً كبيراً في الفضائيات العربية والخليجية مما أثار اندفاعاً وتحدياً عند المقاومة فجعلها تستنفر بكاملها لصد الغزو البري الوهمي!
"التهدئة سيتم خرقها ولكن لمن سيتم تلفيق التهمة" ليس من الصعب في مجتمع دولي فاقد للضمير ومجتمع إسلامي متناحر ومجتمع عربي متشتت أن يجد الصهيوني ذرائع أخرى تمهد لأي عملية عسكرية ضد قطاع غزة، ومهما كانت الذريعة فالهدف واحد، والكيان الصهيوني هو آلة عسكرية تقاتل باستمرار من أجل غاية يعرفها كل العالم ويتغافل عنها العرب والمسلمون!
"برقية السلام إلى غزة" للشعوب قوة لا تقهر وللحكومات تقلبات وهفوات لا تغفر، افتحوا أبوابكم لاستقبال الجماهير، أطلقوا دعوات الهجرة نحو خندق المقاومة الأول الذي يقاتل بالنيابة عن كل المسلمين والعرب، إن الجميع مسئول عن الدفاع عن غزة، والأمل أن تكون المعركة القادمة ملحمة انتصار يسطرها الجميع في أرض المقاومة، وهذه دعوة للمقاومة في غزة بأن تتيح المجال لهجرة المقاومة من كل العالم للدفاع عن عاصمة التحدي والصمود.