ما من شك بأن المقاومة الفلسطينية في غزة قد حققت خلال أيام العدوان الثمانية نصراً ميدانياً واضحاً تجلى بالعديد من المعطيات التي عايشناها وتحدث عنها كثيرون والتي استوجبت الاحتفال بالانتصار، فيما مني الاحتلال بهزيمة مادية ومعنوية كبيرة سيكون لها تداعيات كثيرة على الخارطة السياسية وعلى مواقع وتركيبة الاحزاب الاسرائيلية التي تستعد لانتخابات الكنيست القادمة.
ان هذا الانتصار للمقاومة يجب ان لا يمنعنا من قراءة دقيقة لاتفاق "التهدئة" او تفاهمات وقف النار باعتباره اتفاقاً ذو ابعاد سياسية اسهم في صياغته كل الاطراف الفاعلة في المنطقة ومن ضمنها مصر، الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، وبهذا فان الاتفاق قد تجاوز كونه اتفاقا على ترتيبات ميدانية امنية او عسكرية مع ما لهذا الشق من اهمية ايضاً.
ان المعادلة الاساسية في الصراع القائم هي وجود الاحتلال الصهيوني المتدحرج منذ العام 1947 والذي لا يزال مستمراً بمضمونه الاستيطاني ودوره الاستعماري كحامي لمصالح الامبريالية والغرب في المنطقة، يقابله الشعب الفلسطيني بما يملك من امكانات ومقومات للصمود والتصدي والمقاومة بشتى الطرق والوسائل الممكنة وضمن المعطيات الدولية والاقليمية القائمة. بهذا المعنى فان المقاومة هي فعل مستمر يساهم فيها كل الفلسطينيين افرادا وجماعات وفصائل كل حسب امكاناته وموقعه، وعليه فان اي اتفاق ضمني او رسمي موقع او موافق عليه "للتهدئة او الهدنة او وقف النار" مهما كان مضمونه ومدة صلاحيته هو اخراج للصراع عن سياقة الصحيح، وتخلي عن مطلب وقف العدوان من جانب المحتل، وانهاء احتلاله.
ان الفهم النظري السالف يشكل اساساً في قراءة الحالة الملموسة، اي اتفاق "التهدئة" الذي تم التوصل اليه في الحادي والعشرين من تشرين ثاني الجاري، والتمعن في نصوصه العلنية واستقراء ابعاد هذه النصوص، ناهيك عن ضرورة البحث عن ما هو سري او غير معلن في هذا الاتفاق والذي بدأت بعض بنوده تتكشف من خلال ما نشرته صحيفة "هآرتس" عن موافقة الرئيس المصري محمد مرسي على قيام اسرائيل بزرع مجسات تنصت على الحدود الفلسطينية – المصرية وهو ما رفضته مصر مراراً في عهد المخلوع حسني مبارك.
ففي ما اعلن من نصوص نشرت عبر وسائل الاعلام ووزعت بشكل غير رسمي، يمكن ملاحظة النقاط التالية:
أولاً: ان اي اتفاق للتهدئة او وقف متبادل لاطلاق النار هو اخراج للصراع من سياقه، وقبول بالمساواة بين الجلاد والضحية، وتخلي عن مطلب وقف العدوان الاحتلالي باعتباره فعل اجرامي مستمد من قوة المحتل وتفوقه العسكري.
ثانياً: وفيما نص الاتفاق على وقف اسرائيل لاعمالها العدائية تجاه قطاع غزة، فانه قد نص ايضاً على ان "تقوم الفصائل الفلسطينية بوقف كل الاعمال العدائية من قطاع غزة تجاه اسرائيل.." وبهذا اعتراف بان العمل المقاوم للاحتلال هو "عمل عدائي" وهو ما يتناقض مع شرعية المقاومة وحقها الذي كفلته حتى قرارات الأمم المتحدة، وهو تجريم لفعل المقاومة يشبه الى حد بعيد وصف العمل المقاوم بـ"الارهاب"، وهو ما سعى ويسعى اليه اعداء شعبنا وانزلق اليه بعض من القادة الفلسطينيين في السابق ولاقى رفضاً واسعاً.
ثالثاً: ان تحديد "غزة" في هذا الاتفاق يعني عمليا قبول تمييزها وتحييدها عن ما يجري في باقي الاراضي الفلسطينية وعن كل ممارسات الاحتلال وسياساته، وفي هذا قبول بادراك او دون ادراك باستفراد الاحتلال بالشعب والارض الفلسطينية بشكل مجزء، وتكريس لتقسيم الشعب الفلسطيني بين غزة وضفة وداخل وشتات بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر، وتزداد مخاطر ذلك عند التذكير بخطوة الاحتلال بـ"الانسحاب" احادي الجانب من القطاع عام 2005 ودوافع الاحتلال من تلك الخطوة بما في ذلك ما يتم الحديث عنه من افكار لالحاق قطاع غزة بمصر وفق صيغ مختلفة.
رابعاً: ان نص الاتفاق على فتح المعابر وتسهيل الحركة للافراد والبضائع يعني استمرار القبول بالسيادة الاسرائيلية على غزة بما في ذلك معابرها وحدودها مع مصر، وفي هذا ايضاً ضرب لسيادة مصر على حدودها، وعودة الى الوضع الذي كان قائما قبل الحصار والذي طالما رفضته القوى وسعت لتغييره. ناهيك عن ان هذا تنازل عن المطلب الاساسي الذي اعلنته "حماس" منذ اليوم الأول "رفع الحصار"، وهناك فارق بين رفع الحصار وتقديم التسهيلات.
خامساً: تداولت وسائل الاعلام اكثر من نسخة لما قيل انها التفاهمات التي تم التوصل اليها، بعضها نص على أن "تجمع حركة حماس الأسلحة الثقيلة من فصائل المقاومة وتضعها تحت رقابة مصرية – قطرية – امريكية" وطالما لم تنشر الجهة الراعية نصاً رسمياً للاتفاق فان من حقنا الاعتقاد بحقيقة وجوده الى ان يتم نفيه او تأكيده.
وان كان هذا ما احتوته النصوص فانه من الضروري ايضاً استقراء جوهر الاتفاق بما هو ابعد من نصوصه المكتوبة.
ولان كان واضحاً ان الاذرع العسكرية لحركتي "حماس" و"الجهاد الاسلامي" هما عماد المقاومة في غزة، وان من حقهما بالتالي تحديد مسار الحل، فان استفراد "حماس" وبدرجة ثانية "الجهاد الاسلامي" بمتابعة مخاضات الاتفاق وصولاً الى انجازه بمعزل عن باقي الاطراف والفصائل الفلسطينية الشريكة في المقاومة او التي لم تشارك بفاعلية نتيجة ظروفها الخاصة، واعني هنا تحديداً حركة "فتح"، هو استثمار غير محق لتضحيات قوى المقاومة الأخرى التي ساهمت في الانتصار، واعادة انتاج لذات نهج التفرد والاستعلاء الذي طالما مارسته "فتح" ورفضته الفصائل الأخرى بما فيها "حماس"، وبدا وكأننا امام مشهد استبدلت فيه الادوار، وتكرس ذات النهج الذي ادى الى الانقسام ولا يزال يعمقه، ناهيك عن تغييب دور الجماهير التي دفعت الثمن الأكبر للعدوان بدمائها وممتلكاتها.
وفي ذات السياق وبعيداً عن الخوض في مسألة الشرعيات الدستورية والوطنية، فان منظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني وباقرار "حماس" و"الجهاد"، وكذلك الرئاسة الفلسطينية، قد غيبت عن الاتفاق وعن لعب اي دور حقيقي في المفاوضات التي ادت اليه، وبدا قائدا "حماس" و"الجهاد" ولاة على الشعب الفلسطيني، وفي هذا ضرب لدور منظمة التحرير ومكانتها المعنوية، وتكريس، بل وترسيم لحالة الانقسام القائمة.
وفقاً لهذه الرؤية فان من حقنا طرح تساؤل اساسي حول اذا ما كانت منجزات المقاومة في ميدان المعركة وانتصارها قد استثمر في سياق يخدم الفهم والبعد الشمولي للقضية الفلسطينية، أم ان النظر اليه كنصر لاصحاب الفعل الميداني المباشر قد قاد لاستثماره بما يخدم سياسات وتوجهات حركة "حماس" الخاصة والتي ترتبط بحسابات واعتبارات اقليمية يمكن رؤيتها في سياق التطورات الشاملة الحاصلة في المنطقة، ودور وموقع حركة الاخوان المسلمين فيها وارتباطاً بالحلف المصري – التركي – القطري الآخذ بالتبلور والاتساع.
وعليه فان انتصار المقاومة في غزة ليس بالضرورة ان يشكل انتصاراً للقضية الفلسطينية، بل ربما يقود لانتكاسة جديدة ما لم نفلح باعادة تجييره بما يخدم القضية الوطنية، وفق رؤية وموقف موحد للقوى ذات المصلحة بتحقيق انجازات حقيقية والمراكمة عليها، والاستفادة من ما مهد له هذا الانتصار وبخاصة حالة التناغم بين اداء المقاومة العسكرية في القطاع مع الهبة الجماهيرية في الضفة وما رافقها ايضاً من تفاعلات في الداخل والشتات.