2012-11-22

بعد إعلان وقف النار أين كانت الملايين؟!


بقلم: عدلي صادق

ردود الأفعال الشعبية في العالم العربي، على العدوان الهمجي الصهيوني الذي تعرضت له غزة؛ كانت مخيّبة للآمال وينبغي أن يندى لها الجبين، في الوجه الحقيقي للأمة بالمعيار التاريخي. وإن لم يندَ لها جبين بقايا أولئك المؤمنين بوحدة الوجدان العربي؛ فإن ما يندى ويتعرق حتى العفونة، هو التراث الكبير من المطولات البحثية والتنظيرات، التي أجهدت نفسها في البرهنة على "يقظة" هذا الوجدان..!

"وين الملايين"؟ استفسار بات دارجاً، منذ أن اختزلت به، مطربة لبنانية جنوبية مغمورة، نشرة أخبار كاملة، أو بياناً حول الموقف الشعبي العربي، حيال العربدة الإسرائيلية في مناسبة سابقة. ومن المفارقات، أن المطربة نفسها، التي أطلقت الصرخة، انسحبت الى بيت الزوجية، لكي تمكث مع بعلها الذي يعمل في جامعة أمريكية في دبي، تاركة الملايين تتدبر رؤوسها. كأنها استبقت، بخلاصها الفردي، مصير "ثورة الفاتح" التي كان شاعرها وملحن أناشيدها، الليبي علي الكيلاني، وهو نفسه صاحب كلمات الصرخة التي غنتها جوليا بطرس. فسياقات أوطاننا، التي يتغالظ فيها الاستبداد حتى التوحش؛ تمضي في وجهة معاكسة للألحان والأغنيات..!

نتساءل من جديد، بأصواتنا المتحشرجة أو الخشنة: وين الملايين؟! لو جاءنا الجواب بأنها اندثرت؛ لقلنا باستفهام مقابل: وكيف ولماذا تظهر هذه الملايين، في مناسبات فرعية، أقل أهمية بكثير، من إحراق مدينة عربية عمرها يزيد عن سبعة عشر قرناً ونحو عُشر القرن، وتقتيل أطفالها بنيران غاشمة وعربيدة؟! ربما تخرج الملايين، احتجاجاً على رفع سعر الدجاج، ونرى التظاهرات الحاشدة، في مدن الأوطان من أقصاها الى أقصاها، لو رُفع  السعر، وتلقت الملايين في كل مكان، رسالة واحدة متزامنة، تقول إن هناك خطراً يتهدد علاقتنا بالدواجن اللاحمة..!

*   *   *

وين الملايين؟! ربما انشغلت الشعوب عن الجموع، في عملية إعادة اكتشاف نفسها وتفاصيلها والتمايزات في داخلها، والذهاب في وُجهة انشطارية متناسلة، يصفي فيها الشمال حسابه مع الجنوب أو العكس، والريف مع المدينة أو العكس، والعشيرة مع العشيرة، والطائفة مع الطائفة، واللهجة مع اللهجة، وشرق السكة مع غربها، والأطهار مع الفاسدين، والأخيرين كلٌ مع فئة أخرى منهم، الى آخر هذه المتوالية اللانهائية، دون أمل في هذا السياق، يتعلق بالوصول الى مقاربة لإعادة صياغة شظايا الشعوب. فالشروخات لا تلتحم، بل إنها تظل ماكثة، يصعب معها وضع الناظم الذي يتساكن بموجبه المتفرقون مع أنفسهم على أرض واحدة؟!

في بعض الأقطار، بدت الحكومات أنبل نسبياً من شعوبها على هذا الصعيد، أو على الأقل، أفضل تمثيلاً لتاريخ الدولة الوطنية المستقلة وحيثيات نضالات الاستقلال. فقد أُطيح بالناظم القومي الجامع، بجريرة الفساد والاستبداد في الأربعين سنة الماضية، وبذريعة الارتقاء الى ما هو رسالي ورباني. لكن هذا الأخير ـ بخلاف الأول المُطاح به ـ أكثر قابلية للانشطار والتشظي، وأكثر غواية للناس لجرّها الى التباغض بين المدارس والمواقف والى أطر اجتهاد، لا يحترم واحدها دين الآخر ولا تقواه، ولا يترفق به..!

مفعمون بالألم، لحال هذه الأمة التائهة، التي كلما أنتجت ربيعاً، فإنها سرعان ما تدخل به الى خريف طويل، تغيب فيه النُضرةُ وتَبهُت العدالة. ربما يكون أقوانا تمثلاً للعنفوان، أعمقنا توغلاً في الخريف. فقد بثت "الجزيرة مباشر" بعد ظهر أمس، تظاهرة بائسة على الهواء، من "ساحة الثورة" التي كانت تسمى "الساحة الخضراء" في طرابلس، دعماً للشعب الفلسطيني في غزة. ليت القناة لم تبث التظاهرة التي لم يصل عدد المشاركين فيها الى سبعين شخصاً. فقد حمل بعض الحاضرين صوراً مكبرة لثلاثة من الشهداء القادة من حركة "حماس" مع عبارة تقول: "قادتنا شهداء". غاب أبو عمار والشقاقي وأبو علي مصطفى وآخرون كُثر من القادة الشهداء في الثورة المعاصرة، وخطب في الأنفار شاب قدّم نفسه كممثل لـ "حماس" في ليبيا. لم يكن ذلك هو المحزن. فالعدد هو الذي كان محزناً، ويمثل إعلاناً بليغاً لغياب الجموع. أما اختزال القادة الشهداء، فيمن رُفعت صورهم في لافتة كبيرة واحدة؛ فمعناه أن التاريخ، عند البعض الواهم، بدأ وسينتهي، بهذا الخريف الذي نحن فيه. شاهدنا ذلك البث، قبل أن يدلنّا الآخرون، على ورقة خريفية صفراء، رمتها الريح الجامحة، حملت الينا نص الاتفاق الذي تم التوصل اليه لوقف إطلاق النار، لنظفر من "الغنيمة" بالإياب مع الأحزان والخسارة على كل صعيد..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com