فقدت "حماس" التحالف الثلاثي - إيران - سوريا - حزب الله على إثر اتخاذها موقف معاد لنظام بشار الأسد، وكان من الطبيعي أن تتوجه نحو أحضان مصر الجديدة باعتبار الحركة امتداد لحركة الإخوان المسلمين في مصر الذين وصلوا إلى الحكم. وراهنت على تحول في الموقف الأمريكي ليشمل تأييد واشنطن للحكم المصري الجديد فرع الإخوان في غزة بعد أن قررت أمريكا ومعها أوروبا دعم الإسلام السياسي الجديد (المعتدل) الذي وصل إلى الحكم في مصر وتونس بشكل خاص للتصدي للإسلام الراديكالي.
بصرف النظر عن البادىء في إشعال الحرب الجديدة إلا أن الطرفين رأيا أنها ستوفر الفرصة لتحريك الوضع الجامد، وجاء اغتيال الجعفري ليحقق لإسرائيل 50% من أهدافها من وراء الحرب، وجاء وصول صواريخ "حماس" حتى يافا وتل أبيب والقدس وتمكنها من إسقاط أكثر من طائرة إسرائيلية وإصابة بارجة وقتل عدة جنود وضباط إسرائيليين وإصابة العشرات وإلقاء الرعب في قلوب الإسرائيليين ليحقق لـ"حماس" الهدف الأكبر من الحرب لاسيما بعد أن أبدت إسرائيل رغبتها في وقف إطلاق النار.. وجاء شرط "حماس" الأول بإنهاء الحصار على غزة بمثابة انتصار للحركة. لكن يبقى من الواضح أن إطالة أمد الحرب لن يكون في صالح "حماس"، فصواريخها على وشك النفاذ وليس هنالك المزيد الذي يمكن تأمينه، فإيران لم تعد صديقًا، أما صواريخ جراد الروسية التي أمكن تهريب عدد كبير منها من ليبيا عن طريق بدو سيناء فإن المخابرات المصرية أصبحت متيقظة تمامًا لمنع وصول المزيد منها إلى القطاع، كما توقف تدفق الأسلحة الأخرى التي كانت تهرب من مصنع اليرموك في السودان بعد أن دمرته إسرائيل.
الآن الرئيس مرسي يبذل قصارى جهده لتحقيق الهدنة، ويستخدم مشعل لهذا الغرض الذي سلطت عليه الأضواء من جديد. وأصبح من الواضح أن التوقيع المبدئي بين مصر والبنك الدولي على القرض الذي سيمنحه البنك لمصر بقيمة 5 مليار دولار تقريبًا أمس الأول هو الجائزة الأولى لمصر مرسي على تلك الجهود. فيما سيأتي التوقيع النهائي الشهر المقبل بعد أن تتم الهدنة فعليا، وهذه المرة ستكون هدنة طويلة الأجل.
إطالة أمد الحرب وحدوث غزو بري للقطاع لن يكون في مصلحة "حماس"، أولاً لأن ترسانتها الصاروخية على وشك النفاذ، وثانيًا لأن الاقتحام الإسرائيلي سيؤدي إلى مزيد من الاغتيالات والاعتقالات الإسرائيلية لقادة "حماس" وتمشيط القطاع وسقوط مئات الضحايا وآلاف الجرحى. يظل هذا الاحتمال قائمًا، لكن إسرائيل ستفكر مائة مرة قبل الإقدام عليه لأنه سيتسبب في إلحاق خسائر فادحة في صفوفها، وإلى فقدانها التعاطف الدولي الذي ألمح إليه وزير الخارجية البريطاني مع بداية الحرب ويليام هيج، وسيؤدي أيضًا - وهو الأهم - إلى إشعال انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية، وإلى وضع مصر مرسي أمام امتحان صعب لمصداقية الإخوان.
لكن مع الأسف وكما حدث في ثورة 25 يناير، ستتكرر القصة نفسها عند الفلسطينيين فـ"حماس" الداخل التي صمدت وضحت وقاتلت ستخطف منها "حماس" مشعل- مرزوق النصر الذي تحقق لها بالتقاسم مع إسرائيل، كما أن المصالحة بين "فتح" و"حماس" التي لم تمانع تل أبيب وواشنطن في إتمامها هذه المرة ستمنح أبو مازن شرعية أكبر عند الذهاب للأمم المتحدة نهاية هذا الشهر . وسيفوز مشعل برئاسته للمكتب السياسي لـ"حماس" مرة أخرى.. وسيصبح الرجل الثاني في "م.ت.ف".