العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة ربما اصبح العلامة الفارقة بين مرحلتين تداخلت بهما كل الاوراق وتغيرت بهما كل قواعد اللعبة في الساحة الفلسطينية تحديدا، وتركت اثرا ذو علاقة بالساحة العربية والاقليمية.. ولعل اهم مؤشراته يتمثل بتحريك مواقع الفاعلين باطراف المعادلة وبشكل اخص على الساحة الفلسطينية الداخلية والى حد ما على الساحة الاسرائيلية التي ستكون اكثر انكشافا بعد انتهاء الغارات وصمت اصوات المدافع والصواريخ، كل ذلك حدث دون ترتيب مسبق او متوقع او مسيطر عليه من كل الأطراف اللاعبة في الميدان.
ونظرا لاستمرار الحرب وعدم الجزم نهائيا بالطريق التي ستنتهي اليه، فمن الصعب اعطاء النتائج التي ستحكم مرحلة ما بعد الحرب، ولست من المبالغين بالقول "بامكانية ان تنتصر المقاومة على اسرائيل بالمعنى الحرفي للانتصار"، ربما هذه القراءات لست بصدد التركيز عليها الآن، ولكن ما اود التركيز عليه حاليا هو الى أي حد أثرت مجريات الحرب على مستقبل القضية الفلسطينية والاطراف اللاعبة بها وما هو المطلوب فلسطينيا في هذه الظروف.
الحقيقة الموكدة والتي صنعتها آلة الدمار الاسرائيلية وقوة المقاومة والصمود لشعبنا في هذه الحرب هي انبعاث روح جديدة للقضية الفلسطينية باعتبارها حجر الزاوية في الاستقرار في الشرق الاوسط، واعادت طرح مقولة انهاء الاحتلال شرط كافي للسلام والاستقرار، وهذه اللحظات التي نعيشها هي لحظات صيد ثمين للقيادة الفلسطينية بمختلف الوانها، لاقتناص هذه النتيجة التي ربما لن تعود، خاصة في ظل تزامنها مع توجه الرئيس ابو مازن للامم المتحدة نهاية الشهر الجاري لطلب الاعتراف بالدولة غير العضو في الامم المتحدة، كما ان الجانب الاسرائيلي تولدت اليه القناعة اكثر مما كانت عليها قبل الحرب بان الشعب الفلسطيني لديه العديد من الخيارات لانهاء الاحتلال اذا لم تحقق له المفاوضات طموحاته، بعد كل هذه السنوات التي مضت مع مسيرة المفاوضات وما حملته من ثقافة جديدة لمفهوم المقاومة والنضال، ولعل مجريات الامور حاليا اثبتت للجميع بان الشعب الفلسطيني صامد ومتمسك بارضه وحقوقه ووحدته، ورغم ان المقاومة بكل اشكالها لم تحقق استسلام للطرف الاسرائيلي الا انها اعادت وأحيت روح الكرامة لكل فلسطيني اينما وجد واعادت في ضمير كل واحد قداسة هذا المفهوم نحواستعادة دورنا ووجودنا وهيبتنا وعدالة قضيتنا واحترامنا لانفسنا اولا وبعد ذلك عند شعوبنا العربية والاسلامية والدولية بما في ذلك الشعب الاسرائيلي.. ولعل حالة الاندفاع الشعبي في الضفة الغربية المتمثل بالفعاليات الشعبية السلمية دليل على وحدة شعبنا واستعداده لاعلاء صوته في المطالبة بحقوقه الوطنية جنبا الى جنب شعبنا في قطاع غزة والشتات.
هذه الحقائق لن يتركها اعداء شعبنا وفي مقدمتهم اسرائيل لتظهر بهذا الجلاء وترى النور.. وربما المندفعون والمستسلمون محليا وعربيا ودوليا سيلتقوا في مربع واحد لاختزال هذا الواقع الجديد وربطه فقط في قطاع غزة باعتباره ساحة الحدث المقاوم والمتضرر في آن واحد، والتظاهر بتحقيق المكاسب بتحسين ظروف الحياة في غزة وفي اجراءات سياسية تزيد من عزلة غزة وسلخها عن مكونات الدولة الفلسطينية ومستقبل القضية ومشروعها الوطني المرتبط بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي.. اسرائيل لم تشن الحرب فقط لاحداث دمار ولا لتضيق الحصار ولا لانهاء المقاومة واطلاق الصواريخ فقط، وانما لفرض وقائع جديدة سياسية تكرس حالة الانقسام سياسيا بالدرجة الاولى من خلال التعامل مع اطراف وليس طرف فلسطيني واحد، وهذا جوهر ما اود الاشارة اليه حيث كافة التحركات الجارية لاحتواء وادارة مجريات الحرب قد دفعت باطراف فلسطينية وتحديدا حركة "حماس" الى الظهور والتقدم على الساحة الفلسطينية والعربية والدولية بشكل لم تتوقعه قيادة الحركة بهذا المستوى، فالمتتبع للاحداث يلمس بان هناك تجاهل وتغييب متعمد للمؤسسة الفلسطينية الرسمية المتمثلة في "م.ت.ف" وللرئيس ابو مازن بشكل أكثر وهذا ما يقودنا الى الاشارة لمربع الخطر ليس للعلم وانما للفعل.
وهذا لن ينفي القول بان مكانة "حماس" على المستوى العربي والدولي قد تعززت، حيث ساهمت مجريات الحرب وما رافقها من قتل وجرائم ضد شعبنا في غزة في حسم حالة التردد من اطراف عديدة عربية ودولية للتعامل مع سلطة "حماس" في غزة باعتبارها واقع، بشكل لم نشهده من قبل يضاف لها التصريحات الصادرة عن شمعون بيرز رئيس دولة اسرائيل وليبرمان وزير خارجيتها بتاريخ 18/11/2012 بالاستعداد للاتفاق على وقف اطلاق النار مع حركة "حماس".
ربما من الصحة بمكان ان يقال ان التعامل مع "حماس" عربيا ودوليا واسرائليا حقيقة واقعة باعتبارها تقاوم ولكن يجب ان لا يغييب عن بالنا بان حركة الجهاد الاسلامي لها من الثقل المقاوم ما يوازي حركة "حماس" في هذه الحرب ولكن حضورها السياسي والاعلامي يتعرض لتغييب كامل ومتعمد من اعداء وحدة شعبنا بهدف تعزبز تجسيد سلطتين لشعب واحد وفي هذه اللحظات التاريخية من مسيرة شعبنا بالتحديد وتشارك كل المحطات والمنابر الاعلامية الموجهة في ابراز الصورة التي تظهر تقدما كبيرا لدور "حماس" السياسي وتراجعا اكبر للمؤسسة الرسمية الفلسطينية رغم ما تبذله من جهود، وتظهرها كطرف غير فاعل في الساحة، تدير الامور عن بعد، فلا دور لها في غزة، ولا غرفة مكان لها في عمليات القاهرة ومكتفية فقط بالتحركات الرسمية التي لن يكون لها صدى ولن يسمع صدى صوتها ان لم تكن في غزة أو على تخومها في ظل صدى القنابل والدمار في غزة.
ان الدمار مهما كان كبيرا في المباني والممتلكات وبسقوط الشهداء سوف يعاد انتاجه بالبناء والتقدير وبالقناعة بان انهاء الاحتلال سيكون ثمنه الدماء التي لم يتوقف نزيفها من اجسام شعبنا منذ بداية القرن الماضي ولكن ما يجب التضحية من اجله هو منع قسمة الشعب الفلسطيني عمليا من خلال ترسيم واقع سياسي جديد في غزة، ربما تفرضه قوة البطش الاسرائيلية.
ان مفهوم المصالحة اليوم وآليات تطبيقها قد انتهت عما كانت عليه سابقا، لأن مجريات الحرب وربما نتائجها الحالية قد غيرت الموازين والأدوار، واعادت ترتيب جدول الاعمال الفلسطيني ضمن الاولويات التي فرضتها المرحلة، وعليه فان القيادة الفلسطينية وفي المقدمة منها السيد الرئيس ابو مازن مطالبين بالتحرك فورا وبلا تردد بالاعلان عن موقف تاريخي يتلاءم والمرحلة ويتمثل بحل الحكومات الفلسطينية القائمة وتكليف حكومة جديدة برئاسته، والانتقال فورا الى غزة والبقاء هناك الى حين التوجه على الاقل للامم المتحدة، بهذا سيكون خطابه ومطلبه اكثر تأثيرا وستتعزز مكانته الشعبية والدولية باعتباره رئيسا للشعب الفلسطيني، ولضمان تطويع نتائج الحرب سياسيا لخدمة قضيتنا، وللرد على كل الابواق التي تدعي بان الشعب الفلسطيني منقسم. وباعتقادي فان شعبنا الفلسطيني اليوم اكثر استعدادا لحماية هذا القرار الذي لا معنى له سوى الدفاع عن وحدة قضيتنا وشعبنا وسيلتف العالم حول هذا القرار بدعم مطلبنا السياسي بالاعتراف بنا دولة بصفة مراقب بتاريخ 29/11/2012.
ان انهاء الانقسام هو الأولوية ولكن يحتاج اليوم للضربة القاضية للدخول في مرحلة جديدة جوهرها الوحدة والتمسك بالحقوق الفلسطينية وبذلك سيعاد الاعتبار للدور والمكانة الفلسطينية، حيث وبعد هذا القرار يتم بحث كل الملفات، وانني على يقين ان شعبنا في غزة سيخرج لاحتضان الرئيس وسيجد هذا القرار اهمية ومكان له بالتاريخ الفلسطيني.