2012-11-21

نكذب.. ونواصل الكذب..!!


بقلم: د. زياد أبوالهيجاء

عام 1956  احتلت اسرائيل بدعم بريطاني وفرنسي قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء، فاحتفل العرب بالنصر.. جمال عبد الناصر استوعب هزيمة حزيران جيدا فسماها النكسة واستقال فأعاده الشعب المكلوم، أما حزب البعث الحاكم في سوريا فصفق لنصر حزيران.. سماه نصرا واستشهد على ذلك بفشل العدو في القضاء على الحزب العتيد، ثم كانت كذبتنا الكبرى عام 1973، فقد أسفر نصر اكتوبر عن حصار الجيش المصري الثالث وعن تواجد الجيش الاسرائيلي على بعد 101 كم عن القاهرة، وطبعا لم تعد الجولان ومازلت محتلة حتلى اللحظة. ومع ذلك  شاركنا ومازلنا نشارك في استمتاع كاذب بنصر تكذبه الوقائع.

وعام 1982، صمدت المقاومة الفلسطينية في بيروت ولكنها غادرتها الى السودان واليمن والجزائر، ومع ذلك مارسنا مجددا فرح نصر لم يتحقق.. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية تعقد مجالسها الوطنية في دمشق أو القاهرة فاضطرت لعقد مجلسها التالي لمغادرة بيروت في الجزائر.. وبدلا من تخصيص الجلسات لدراسة المرحلة الجديدة المريرة فقد تبارى خطباء الفصائل في التغني بالنصر فقرر الدكتور عصام السرطاوي الانسحاب من الجلسات ومغادرة الجزائر بعد يوم هائج مائج بكلام تمجيد الانتصار، وقد علق الشهيد السرطاوي على ذلك أمام الصحفيين بقوله "نحتاج الى نصر آخر كهذا لكي نعقد مجلسنا الوطني في المالديف"..!!

نحن لانهزم.. فقد واصلنا تمجيد انتصار هنا وآخر هناك حتى أنعم الله علينا بنصر حزب الله في 2006.. والذي أسفر عن تدمير لبنان وسقوط آلاف الشهداء والجرحى وأسبغ نعمة الهدوء والطمأنينية على طول الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة بحماية آلاف من قوات الفرنجة اضافة الى جحافل حزب الله التي تسهر على أمن اسرائيل..!!

وتوالت النعم، فكان النصر الآلهي نهاية 2008، بقيادة "حماس" في قطاع غزة، وقد تميز ذلك النصر بمعجزات ليس أقلها أن الملائكة قاتلت معنا.. ورغم ذلك فقد تمخض النصر عن دمار شامل وآلاف الشهداء والجرحى مع أن قيادة "حماس" نجت بفضل الله من الموت.

وها نحن اليوم نعيش نصرا جديدا.. وتم اعلانه هذه المرة من لندن اذ تطوع الأخ عبد الباري عطوان وقبل أن تضع الحرب أوزارها باعلان النصر المؤزر على اسرائيل..!! وذلك في سابع أيام الحرب¸فعبر بذلك عن "مايطلبه المستمعون" المتعطشون لنصر آخر. والشامتون بانبطاح وزير اسرائيلي على الأرض تفاديا لشظايا صاروخ فلسطيني قد يفلت من القبة الفولاذية، وبصور لجنود يبكون ولاسرائيليين يختبئون في الملاجئ، وحكاية الملاجئ هذه محزنة فالناس في غزة لا يجدون ملجأ يحتمون فيه، فقد انشغلت "حماس" عن ذلك بشق الأنفاق التي تدر الربح الوفير على خزانتها.

مع أن مشاهدة الصور القادمة من غزة ومايعج به اليوتيوب من مشاهد دامية ومرعبة صورها مواطنون من غزة لا يمكن أن تدفع سوى الى البكاء، وما هو أشد من البكاء لا الى تصديق الكذبة العربية والفلسطينية بانتصار مزعوم.

نكذب ونرضع اطفالنا الكذب، ولا مكان للعقل وسط هيجاننا المحزن. ولا مجال لتحليل عاقل رصين. نخاف من الحقائق التي نعرفها , ونخاف من الحديث عن أن هدف هذه الحرب الذي يتحقق هو اعادة حفر "كامب ديفيد" المصرية- الاسرائيلية بجثث ودماء أطفال فلسطين، وترسيم جديد للحدود السياسية بين الربيع العربي واسرائيل.

نخاف من القول بأن مصر الاخوانية تقوم اليوم بدور كانت تقوم به مصر مبارك بشيء من الحذر والخشية، تقوم به اليوم مصر الاخوانية بوضوح شديد.. فهي اليوم ليست مجرد وسيط ينقل الرسائل بل هي تضمن وتكفل.. تضمن من؟ تضمن "حماس" وتغطي قطر فاتورة الغاء ما تبقى من نية للمقاومة..!!

لقد زار الشيخ حمد غزة قبل الحرب بقليل فأغدق بالوعود وبالعطاء ليضمن سير العدوان الاسرائيلي نحو تحقيق أهدافه..!!

والى نصر جديد..

* إعلامي فلسطيني ودبلوماسي سابق. - ziadabulhaija@yahoo.com