2012-11-21

نتنياهو: الفشل أو التورط، ولكن..!!


بقلم: علي جرادات

كان واضحاً منذ البداية أن ضرب القدرة العسكرية لـ"حماس" وبقية فصائل المقاومة، بما يضعف، ما أمكن، ودون أن يطيح، سلطة "حماس"، هو الهدف السياسي الأساسي لعدوان إسرائيل الأخير على قطاع غزة، ذلك ليس فقط لأن من شأن إطاحة سلطة "حماس" أن يفتح أفقاً لإنهاء الانقسام الفلسطيني، وأن يفتح باب احتمال الإنهاء الرسمي لتعاقد أوسلو الذي قامت بموجبه السلطة الوطنية الفلسطينية الانتقالية، بشقيها المنقسمين في الضفة وغزة،  بل، أيضاً،لأن من شأن إطاحة سلطة "حماس"، أن يعيد، (وهذا هو الأهم)، إسرائيل، بمعزل عن اللون الحزبي لحكومتها، إلى ورطة سؤال غزة السياسي الأصلي المعقد والأساسي: مَن يتولى إدارتها طالما أن إسرائيل لا تريد إعادة التورط في الاحتلال المباشر لها، وطالما أن مصر لا تريد إعادة تولي إدارتها، وطالما أن منظمة التحرير الفلسطينية لن تقبل، بالتأكيد، العودة إليها على ظهر الدبابات الإسرائيلية.

وكان واضحاً حتى لمن لا يعرف من السياسة سوى اسمها أن التركيز على السبب المباشر لتوقيت هذا العدوان، (الانتخابات الإسرائيلية)، وعلى الظاهر من أهدافه، (وقف إطلاق الصواريخ)، هو مساهمة، بوعي أو بجهالة، في طمس الأعمق من أسبابه، وفي التغطية على الحقيقي من أهدافه، وبينها، اختبار، (تحدي)، سياسة السلطات العربية الناشئة بعد الانتفاضات الشعبية تجاه القضية الفلسطينية.

هنا، وبحسبان أن الحرب، كل حرب، "لغة عنيفة" لتحقيق هدف سياسي محدد قابل للتعديل، جزئياً أو كلياً، وفقاً لمجريات الأمور على الأرض، فإن من الطبيعي حدَّ البداهة أن يكون ما واجهه العدوان العسكري الإسرائيلي على الأرض من مفاجآت ومقاومة نوعية باسلة، وصمود شعبي أسطوري، هو، ما جعل حكومة نتنياهو تُحجم، (مؤقتاً)، عن توسيع عدوانها وتعميقه، إنما مع التلويح بذلك لتحقيق جوهر هدفه السياسي، ( الوارد أعلاه)، من خلال مفاوضات بلورة "تهدئة" جديدة، تريدها حكومة نتنياهو، (تحت عمليات القصف البربري)، وفقاً لشروطها.

على كل ما تقدم، ثمة مفارقة تحيل إلى سؤال: ترى ما الذي يعطي حكومة نتنياهو فرصة الإصرار على فرض شروطها لـ"التهدئة"، بينما صار عدوانها، وفقاً لمجرياته الميدانية، بين الفشل، أو التورط؟ هل هو فقط الدعم الكامل، وعلى بياض، الذي تقدمه لها، ولشروطها، الولايات المتحدة وبقية حلفائها الإقليميين والدوليين، أم أن الأمر يتعلق، أيضاً، بعجز حكام العرب، بمن فيهم "الجدد"، عن دعم البطولة الميدانية لفصائل المقاومة والصمود الأسطوري لشعبها، بل، وبعجزهم حتى عن استثمار هذه البطولة الميدانية الاستثنائية بكل المعاني، وتحويلها إلى حصاد سياسي، بات تحقيقه ممكناً وواقعياً، بعد أن صارت حكومة نتنياهو فعلاً وواقعاً، (بالمعنى النسبي)، بين خيارين أحلاهما مُرّ: الفشل أو التورط؟

بلى، بعجز الحكام العرب، وبه أساساً، يكمن تتمادي حكومة نتنياهو وتتغطرس، رغم ورطة عدوانها. فقد تبين لهذه الحكومة، فائقة الإحلال للايدولوجيا والأمن محل السياسة، أن  حكام العرب "الجدد"، لا يختلفون، في الجوهر، عن "القدامى" في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي عموماً، وجوهره الفلسطيني، خصوصاً، وأن علو صوت هؤلاء "الجدد" تجاه العدوان، يبقى مستوعباً، طالما لم يتحول إلى فعل سياسي جدي؛ وطالما ظل النظام المصري "الجديد"، (وهو أول مَن استهدف نتنياهو اختباره)، يلعب دور "الوسيط" من على قاعدة سياسة "نقبل بما يقبل به الأخوة الفلسطينيون"، القاعدة التي أرسى دعائمها نظام مبارك المخلوع؛ وطالما ظلت احتجاجاته على العدوان البربري في حدود الاستدعاء المؤقت للسفير المصري في تل أبيب،  كإجراء سبق أن اتخذه نظام مبارك ثلاث مرات: في العام 1982 (اجتياح لبنان)، وفي العام 1988 (الانتفاضة الأولى)، وفي العام 2001 (الانتفاضة الثانية)؛ وطالما أن نظام مصر "الجديد" لم يزد على ذلك، سوى فتح معبر رفح أمام وفود التضامن التي لم تقدِّم، على أهمية دعمها المعنوي والإغاثي، شيئاً ذا بال يمكن أن تأبه له حكومة نتنياهو التي لم تتورع عن قتل الرضع من أطفال غزة أثناء تواجد وفد رئيس وزراء مصر؛ وطالما، (وهذا هو الأهم)، أن "الجدد" من حكام العرب، وفي مصر بالذات، لم يتجرؤوا على استخدام أي من أوراق قوتهم، وما أكثرها، ضد الولايات المتحدة الداعمة، (كي لا نقول المشاركة)، لعدوان حكومة نتنياهو الهمجي، بل، لم يتجرؤوا على توجيه النقد المباشر لها، ناهيك عن مصيبة قبولها، (الولايات المتحدة)، راعياً، ومرجعية، لمفاوضات وقف إطلاق النار وصياغة "تهدئة" جديدة بين حكومة نتنياهو وفصائل المقاومة، ما يفرض السؤال: كيف لعاقل يستخدم دماغه، أن يصدق بأن "الجدد" من الحكام العرب، رغم علو صوتهم، في وارد مجابهة عربدات إسرائيل نتنياهو، ما داموا لا يتجرؤون على تغيير سياسة سابقيهم تجاه الولايات المتحدة المعادية للعرب، وحقوقهم، وقضاياهم، وأولها، قضية فلسطين، التي لا يعد اصطفاف الحكام العرب إلى جانب شعبها، واجباً قومياً فقط، بل، إن التخاذل عن أداء هذا الواجب، يبقى، شاءوا ذلك أم أبوا، عاملاً أساسياً من عوامل عدم استقرار أنظمتهم، والمس بالأمن الوطني لدولهم، وضرب تماسك مجتمعاتهم، وتأجيج انتفاضات شعوبهم الجارية ضدهم، عاجلاً أو آجلاً.

بقي القول: العدوان الجاري على غزة، (كأسلافه)، وجه ثانٍ لعدوان الاستيطان والتهويد ومصادرة الأراضي المتواصل بهستيرية في الضفة والقدس، ذلك أن هذيْن العدوانيْن، وإن اختلفت وسائلهما، يندرجان في إطار سياسة إسرائيلية واحدة ثابتة على رفْض الإقرار بالحقوق الوطنية والتاريخية الفلسطينية، بما في ذلك رفْض الإقرار بأن الضفة وغزة، ناهيك عن القدس، "أرض محتلة"، ما يعني إصرار قادة إسرائيل على ألا يتحول أو يتطور التخلي عن  السيطرة المباشرة عن أجزاء منها، بحال من الأحوال، إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وسيادية. وهذا ما يفرض على الأطراف الفلسطينية المنقسمة على نفسها، أن تستغل هذا العدوان، وما أفضى إليه من وحدة شعبية ميدانية، فرصة لاستعادة وحدتها السياسية، التي بها، أساساً، يمكن إجبار الحكام العرب على مغادرة خانة سياسة التخاذل والخنوع والارتهان، وبها، فقط، يمكن حشد الطاقات في مواجهة استحقاقات خيار حكومة نتنياهو المفروض، وزائد التوسع في الضفة والقدس المستباحتين، وفائق العدوان على غزة المحاصرة. وهو الخيار الذي وضعته المقاومة الباسلة والصمود الشعبي الأسطوري، بين الفشل أو التورط، بينما يساعده خذلان حكام العرب على النجاة من ورطة، بل، ويعطيه فرصة للعربدة في فرض الشروط، بدعم أمريكي، أيضاً.

* كاتب وناشط فلسطيني- رام الله. - ali-jaradat@hotmail.com