لم تكن مفاجآت المقاومة في غزة رداً على العدوان الصهيوني بمفاجآت لمن كان يتابع بدّقة "ورشة" الاستعدادات التي شهدتها المقاومة داخل غزة وخارجها والتي كانت تنطلق من تفادي الثغرات التي كشفتها الحرب على غزة عام 2008 و 2009، والاستفادة من تجارب المقاومة، لاسيمّا بعد الحرب على لبنان 2006، والسعي لتخزين اكبر قدر من السلاح، كماً ونوعاً، استعداداً لحرب قادمة لا بد أن يشنها العدو الذي لا يعيش إلا على الحروب وبها...
لكن المفاجآت الحقيقية تبقى في التداعيات التي يمكن أن تطلقه هذه الحرب، والتي يخشاها العدو إلى حد كبير، ويسعى حلفاؤه الإقليميون والدوليون إلى تفاديها بمختلف السبل والأساليب.
أول هذه التداعيات داخل فلسطين، كل فلسطين، حيث تتضح معالم انتفاضة جديدة باسلة بدأت طلائعها في القدس المحتلة، وامتدت إلى مدن أخرى، وهي انتفاضة ستترك ظلالها دون شك على الانقسام الفلسطيني الذي لن يستطيع احد بعد اليوم تبريره، أو إلقاء اللوم على الآخر بشأنها، وخصوصاً بعد تعثر التسوية والرهان عليها، وتعزز نهج المقاومة والالتزام به.
ثاني هذه التداعيات هو على مستوى الأمة، كل الأمة، سواء الأقطار التي شهدت تحولات، أو تلك التي نجحت في تجميد التحولات على حدودها. فالأولى أمام اختبار يكشف عمق ما حصل فيها من تحولات، والثانية أمام اختبار قديم – جديد هو ماذا ستقدمه للشعب العربي الفلسطيني من عون ودعم بعد أن اتضح أنها قادرة على فتح خزائن مالها، ومخازن سلاحها، لدعم الاقتتال في بلدان أخرى، بل حيث اندفعت إلى التسليح في صراع داخلي تدميري كما يجري في سوريا، وما زالت تمتنع عن تسليح المقاومة في مواجهة مصيرية وجودية كما يجري في فلسطين.
ثالث هذه التداعيات هو في المسار الذي يمكن أن تتخذه التطورات في مصر ما بعد 25 يناير إزاء التصعيد العسكري العدواني على قطاع غزة الذي لا تربط أهله بشعب مصر وشائج أخوية، عربية وإسلامية، فحسب، بل يرتبط القطاع بدولة مصر بروابط تاريخية إستراتيجية ترى في امن غزة جزءاً لا يتجزأ من أمن مصر القومي، وخصوصاً إن في هرم السلطة في أرض الأهرامات جماعة تربطها بفلسطين، وقدسها روابط عقائدية، وترتبط بحروب فلسطين ارتباطاً تاريخياً مغمساً بدم الشهداء وفي مقدمهم الشهيد البطل المقدم احمد عبد العزيز، بل تدرك أن صدقيتها ومستقبلها السياسي مرتبط بما يجري في فلسطين. فإذا أقدمت كان لها كل الدعم من شعبها، واذا أحجمت أصيب الناس بالخيبة منها.
إن تداعيات حرب غزة الجديدة على مصر هي أكثر ما يقلق حكومة تل أبيب والدول الداعمة لها،لأنها وان كانت تعرف تماماً إن مصر ما بعد الثورة ليست مصر ما قبل الثورة ، ولكنها لا تعرف بالتأكيد المدى الذي يمكن أن يأخذه المسار المصري الجديد في ظل تصاعد هذا العدوان، وهو مسار يبدأ بسحب السفراء وقد يصل إلى تجميد معاهدة كمب ديفيد وإلغاء ملاحقها، كما يبدأ بفتح المعابر بين مصر وفلسطين، في رفح وغير رفح، لتمر من خلالها كل أشكال الإغاثة لتصل إلى حدود مد المقاومة بما تحتاجه من سلاح، وصولاً إلى قرار تاريخي بأن تفتح مصر مخازن سلاح جيشها للمقاومة في غزة، كما فتحت سوريا مخازن سلاح جيشها للمقاومة في لبنان خلال حرب 2006.
ورابع هذه التداعيات هو على الأوضاع في سوريا، التي يحق لشعبها وجيشها وقيادتها، أن يشعروا بالأعتزاز بدورهم في دعم صمود المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة منذ سنوات. ان هذه الصواريخ التي تنطلق، والخبرات التي تبرز، إنما وصلت إلى غزة من سوريا أو عبرها.
إن تصاعد العدوان على غزة يجب أن يكون منطلقاً لوقف النار في سوريا، كهدية يقدمها الجميع إلى المقاومة في غزة وعموم فلسطين، وان يكون مدخلاً لحوار سوري – سوري بعيداً عن الأجندات الخارجية لكي يصل بسوريا إلى تسوية سياسية تاريخية، كنا من أوائل من دعا إليها مع بدء الأحداث المؤلمة، بل أن يكون مدخلاً الى مراجعة عقلانية من قبل حكومات دول الإقليم كلها للعلاقة مع دمشق، لأن ما من أحد يمكن أن يتجاهل دور سوريا وموقعها وحلفائها في جبهة الصمود والمقاومة، عربياً وإقليمياً ودولياً، في مواجهة أي احتمالات يمكن ان تتدحرج إليها المواجهة في غزة خصوصاً ، وفلسطين عموماً.
إن إقفال الجرح السوري، بما يضمن كرامة كل السوريين وحريتهم وتحقيق مطالبهم العادلة، هو أفضل ما يمكن أن تقدمه دول الإقليم العربية والإسلامية لغزة، خاصة وأن من أهم ما أنجزته هذه المعركة، إضافة إلى نجاحها في تغيير متدرج لمعادلة القوة مع العدو، هو أنها أطلقت في الأمة كلها أجواء استبشار وتفاؤل، وساهمت في أبعاد سموم الفتنة والتحريض الطائفي والمذهبي والعنصري عن أمتنا لتعيد البوصلة من جديد إلى فلسطين التي ما اقترب منها احد إلاّ واعّز، وما ابتعد عنها أحد إلاّ وأهتّز.
أما خامس التداعيات، فهو داخل الولايات المتحدة الأمريكية في ظل الولاية الثانية للرئيس أوباما الذي يسعى مع إدارته إلى ترميم علاقته "المتوترة" مع نتنياهو على حساب الدم الفلسطيني المراق في غزة وعموم فلسطين، كما على حساب الحق الفلسطيني بأن تكون دولته عضواً مراقباً في الأمم المتحدة لتستطيع أن تقاضي الكيان الصهيوني على جرائمه الإرهابية المتمادية في فلسطين ولبنان وصولاً إلى السودان وأبرزها جريمة اغتيال القائد الكبير الشهيد احمد الجعبري (أبو محمد).
إن إدارة أوباما حين تدير ظهرها لمحنة الشعب الفلسطيني كما لحقوقه، لا تقوم بجديد وغير مألوف في السياسة الأمريكية، لكن ان يفتتح أوباما ولايته الجديدة بتأييد جرائم الكيان الصهيوني في غزة، وبالضغط على رام الله للتراجع عن قرارها بالذهاب للأمم المتحدة، فذلك يشير إلى انه ما زال مصراً على أن يدفع شعوب هذه المنطقة، ومعها أحرار العالم، إلى اليأس النهائي من إدارته والى إدارة الظهر لسياساته والى الاتجاه نحو القيادات والمواقع ذات الموقف الجذري الرافض للهيمنة الأمريكية في المنطقة والعالم، بل يشير بشكل خاص إلى أن أوباما، كما مستشاريه، لم يفهموا بعد عمق التحولات في العالم عموماً، بل عمق المتغيرات داخل المجتمع الأمريكي نفسه الذي تتصاعد داخله أصوات تعبّر عن الضيق بهذا الالتحاق الأمريكي بالكيان الصهيوني وقد باتت سياساته "عبئاً على المصالح الإستراتيجية الأمريكية" حسب مصادر البنتاغون نفسه.
تداعيات أخرى متوقعة أيضاً، وقد تكون أشبه بالمفاجآت، لكن ما نستطيع قوله اليوم هو "إن ما قبل الحرب على غزة هو غير ما بعدها" وإن غداً لناظره قريب..!!