2012-11-18

خطابات وإرادات وما ينقص الرسالة..!!


بقلم: عدلي صادق

الجلسة الافتتاحية لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري؛ تضمنت كلمات أنصفت فلسطين خطابياً، وبخاصة على المستوى العاطفي، وهذا جميل ومُقدّر. وهو على أية حال، إنصاف لفلسطين، من حيث هي قضية وبشر ومقومات حياة. وقد سمعنا في الجلسة أيضاً، هجاءً عربياً، يتفاوت في الحدة والصراحة، للمواقف العربية العمليّة حيال فلسطين، قضيّةً وبشراً ومقومات حياة. أما الناقص، وهو الأهم والحاسم، فقد كان يتعلق باستراتيجة العلاقات الدولية العربية، وفي المقدمة منها، تلك المسألة المُلحة، التي تجيب عن سؤال مصيري إن كان على مستوى الحاكمين أو على مستوى الشعوب: كيف يتمكن العرب، من إيقاع التأثير الذي يناسب حجمهم وموقعهم وثرواتهم، في مجريات السياسة الدولية، أو في مجرى السياسة الأمريكية ابتداءً؟!

معلوم أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، لم تكن تكترث في تعاطيها مع شعبها، وفي مناسباتها الانتخابية؛ بالحقوق العربية في فلسطين أو غيرها. وحتى إن تعاطفت مع ثورة شعبية عربية، فإنها تخصم من حساب أصدقائها لكي تتلافي الخسارة من حسابها. سبب هذا السلوك الأمريكي بسيط، وهو أن المصالح الأمريكية في العالم العربي، مضمونة ولا تُمَس، وبالتالي تنتفي حُكماً، الحاجة الى سياسة أمريكية متوازنة. فما تسميه الإدارات الأمريكية ـ "المصلحة القومية" في ضمان أمن إسرائيل وتغطية سياساتها؛ ظل هو العامل الوحيد الماثل أمامها عند تحديد الخيارات. لذا كان الانحياز الأمريكي لإسرائيل، والتواطؤ المعيب معها كلما شنّت عدواناً، أمراً طبيعياً ومتوقعاً..!

للأمريكيين عند العرب، مصالح أكبر بكثير، من تلك "الإيقونة" التي يسمونها "مصلحة قومية أمريكية" في مساندة إسرائيل حتى لو  كان يحكمها معتوهون ومصاصو دماء ومتطرفون معادون لاستقرار المنطقة، فضلاً عن عدائهم الصريح لعملية التسوية، واستهتارهم بالقانون الدولي وبالقرارات الأممية..!

لدينا، لصالح الأمريكيين، النفط استخراجاً وضخاً وتسعيراً. لدينا الودائع المالية الخُرافية. لدينا ورقة التعاون الأمني واللوجستي، ولدينا الشراكة التجارية وحضورنا في سوق السلاح والتقنية، فضلاً عن خطوط السياسات ووضعية النفوذ. لذا كان ما ينقص الخطابات، على الرغم من تعاطفها مع فلسطين وهجائها للوضع العربي ومستوى تعاطيه مع فلسطين؛ هو ملامسة نقدية جادة، لعجز الإرادات عن الذهاب الى عملية طبيعية في حياة أية أمة، وهي إعادة صياغة العلاقة مع أي طرف دولي، بحيث يرتبط مستوى هذه العلاقة أو يرتهن، صعوداً أو هبوطاً، بمدى اقتراب أو ابتعاد سياسات هذا الطرف عن المنطق والعدالة. على هذا الصعيد، يمكن للخبراء أن يضعوا التدرجات ويرسموا السيناريوهات، وصولاً الى عقلنة السياسة الأمريكية التي شجعت إسرائيل، المرة تلو الأخرى، على شن حروبها. بل إن الإدارات الأمريكية جاهزة لكي تغيّر وتبدل، إن كان في يدها فحوى لورقة تستند اليها، وبالأرقام، تتعلق بالخسارة من جراء الانحياز الأعمى. فمن ذا الذي تجرأ على تزويد أية إدارة أمريكية بورقة الشفاء من حماقة السياسة..!

المصادفة، التي يمثلها وقوع الرئاسة الدورية لمجلس جامعة الدول العربية، بيد لبنان ووزير خارجيته؛ منحتنا فرصة الاستماع في مفتتح الجلسة، الى قول يتمثل عنفوناً، والتزود بجرعة من "الثورية" الخطابية، ربما احتذاها الآخرون. فعدنان منصور، فضلاً عن كونه وزير الخارجية اللبناني؛ يُعد أهم مختص في جهاز الديبلوماسية اللبنانية بالشأن الإيراني، وهو من الضاحية الجنوبية لبيروت، وأكثر الديبلوماسيين تأثراً بالتجربة الإيرانية سياسة وخطابة وثقافة. ليس ذلك لأنه كان سفيراً في طهران وحسب، وإنما لأنه عرّاب مؤسسات دولته على هذا الصعيد، ولا يتخلف عن مرافقة أي وفد لبناني الى إيران، حتى وإن كان وفداً من وزارة الدفاع..!
 
كانت مصادفة في وقتها، إذ قدم الرجل خطاباً "جهادياً" يجلد الذات العربية، دونما اكتراث بواقع جديد قديم، وهو أن السياق العربي الآن، يتقصى حلاً وتهدئة، ويتعاطى مع العدوان، من خارج محور "الممانعة" ومن قلب محور المسالمة!

رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها، وضع سقف المساندة السخية إنسانياً، والمستعصية في شأن آخر من تلك الشؤون والهواجس، التي يتحدث عنها مقاومونا. هو لا يريد الحرب حتى ولو كانت مظفرة، ولا يريد "الجهاد" وليس للأمريكيين علاقة بالعدوان، إذ لم يجىء ـ كالآخرين ـ على ذكرهم..!

نقطة الترجيح، لصالح الإرادة العربية، تتعلق بالتوجه الى وقفة عربية موضوعية من الأمريكيين. وسيكون المحتلون الإسرائيليون مشمولين بالنتائج المبتغاة، لأنهم سبب الوقفة أصلاً. فالخطابات كانت مُحكمة وقوية، ولكن ماذا عن الإرادات؟ لنتعلم من الأمريكيين أنفسهم، كيف يصارحون ويجرحون مشاعر "أصدقائهم" سعياً حتى الى تخفيف غضب الشارع العربي منهم. لقد كانت آخر مصارحاتهم تتمثل في التأييد العلني للحراك الاحتجاجي في الأردن. فمتى يصدمهم ولاة الأمور العرب، ويصارحونهم بقبح سياساتهم؟!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com