2012-11-15

من شطب حق العودة من مشروع القرار الفلسطيني إلى الأمم المتحدة؟!


بقلم: معتصم حمادة

قرأت أكثر من مرة "النص الحرفي لمسودة مشروع القرار للحصول على مكانة دولة غير عضو في الأمم المتحدة"، الخاص بدولة فلسطين، والذي سيعرض للتصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع والعشرين من هذا الشهر، وهو ذكرى صدور القرار 181 الذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين، وحولته الأمم المتحدة بعد ذلك إلى اليوم العالمي للتضامن مع "الشعب الفلسطيني ومع حقوقه المشروعة والثابتة وغير القابلة للتصرف". وقد وجدتني أتوقف كل مرة أمام الجملة الخاصة باللاجئين وقد جاءت على الشكل التالي: "حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين بما ينسجم مع القرار 194/3 الصادر في 11/12/1948".

وهي جملة، وباختصار، تشوه وتزور المعنى الحقيقي للقرار 194 ولا تأتي إطلاقاً على أي ذكر لحق العودة، بل تترك الأمر مفتوحاً على ما تسميه "الحل العادل"، وإذا ما ربطنا بين هذه الجملة وبين التأكيد على اتفاق أوسلو، ومبادرة السلام العربية، وخطة "خارطة الطريق"، [وقد وردت كلها في إطار الأسس المعترف بها فلسطينياً للتسوية السلمية] تبين لنا أن "الحل العادل" الذي يشير له مشروع القرار الفلسطيني، من شروطه أن يكون متفقاً عليه مع الجانب الإسرائيلي، وهذا يعيدنا إلى سجال سبق وأن خضناه ضد مواقف المفاوض الفلسطيني واستعداده المسبق لتقديم تنازلات جوهرية من جعبة "الحقوق الوطنية المشروعة والتالية وغير القابلة للتصرف" للشعب الفلسطيني.

وقد لفت نظرنا، في هذا السياق، أن نص المشروع الفلسطيني، قد تّم الكشف عن بعد أيام قليلة على تصريحات الرئيس عباس إلى القناة الثانية في إسرائيل حول حق العودة، وقد أثار ردود فعل في أوساط القوى السياسية ومعظم فئات الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده كافة. ما يعني أن القيادة الفلسطينية، المعنية بالعملية التفاوضية، والتي صاغت مشروع القرار الخاص بالأمم المتحدة لا تقيم وزناً للرأي العام الفلسطيني، بفئاته وتياراته المختلفة، وأنها مصرة على المضي في خط التنازل عن حق العودة، وأن هذا التنازل أصبح بنداً ثابتاً من بنود برنامجها السياسي، وورقة تقدمها إلى المفاوض الإسرائيلي مقدماً، ثمناً لدولة فلسطينية، دون حدود الرابع من حزيران [لأن المفاوض الفلسطيني على استعداد لتبادل الأراضي أي ضم المستوطنات الكبرى في الضفة لإسرائيل] مع موقف ملتبس من القدس حين يعتبرها "عاصمة لدولتين".

كما لفت نظرنا، في هذا السياق أيضاً، أن نص المشروع الفلسطيني قد تمّ الكشف عنه بعد أن فبرك الجانب الإسرائيلي قضية مماثلة لقضية اللاجئين الفلسطينيين حين ساوى بينهم وبين المهاجرين اليهود من الدول العربية إلى إسرائيل، مطلقاً "حقهم في التعويض" في مواجهة الحقوق المشروعة للاجئين الفلسطينيين.

وإن كان هذا يدل على شيء، فإنه يدل على جمود سياسي لدى المفاوض الفلسطيني، وحالة من العجز، تفقده القدرة على خوض غمار المعركة السياسية مع العدو الإسرائيلي.

* * *

القرار 194 يتحدث بوضوح شديد عن "وجوب" عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى منازلهم وأملاكهم و"وجوب" التعويض لهم عن خسائرهم المادية والمعنوية والجسدية، ويؤكد فقهاء القانون أن كلمة وجوب هي من أقوى الكلمات (قانونياً) الملزمة للتنفيذ.

والقرار 194 يتحدث كذلك عن العودة "لمن يرغب"، أي أن حق العودة مفتوح لكل اللاجئين الفلسطينيين الراغبين بالعودة، وأنه لا يحق لأي طرف كان أن يحول دون هذه الرغبة أو أن يضع لها شروطاً، أو أن يربط بينها وبين عدد اللاجئين الممكن عودتهم. القرار 194 يعتبر العودة خياراً حراً لكل لاجئ، يتجاوز مفهوم السيادة، إذا ما أدعت إسرائيل أنها تمنع عودتهم كشكل من أشكال ممارسة السيادة على أرضها.

وبالتالي فإن النص الوارد في مشروع القرار الفلسطيني ينسف كل هذا، كما ينسف التفسير القانوني المعتمد دولياً لحق العودة، كما صاغته اللجنة القانونية للمنظمة الدولية للأمم المتحدة، وكما أكدت عليه الفتوى الاستشارية لمحكمة لاهاي، في معالجتها لمسألة جدار الفصل والضم العنصري الإسرائيلي في الضفة الفلسطينية.
 
وإذا كان المفاوض الفلسطيني يحاول أن يغطي على تنازله عن حق العودة بالإدعاء أن ما ورد في مشروع القرار، هو نفسه ما ورد في خطة "خارطة الطريق"، وفي "مبادرة السلام العربية" فإن الرد على هذا الإدعاء يكون على الشكل التالي: 

• إن قرارات المؤسسة الفلسطينية هي الملزمة للحالة الفلسطينية وهي الأسبق على المبادرة العربية، وخطة خارطة الطريق. وما ورد في قرارات المؤسسة الفلسطينية [المجلس الوطني] وما تمّ التوافق عليه في وثيقة الوفاق الوطني، والتي تحمل تواقيع الجميع، بمن فيهم الرئيس محمود عباس، تنص بوضوح على حق اللاجئين في العودة إلى منازلهم وأملاكهم، والتعويض على ما لحق بهم من أضرار مادية ومعنوية وجسدية, يبقى السؤال لماذا هذه الحماسة للالتزام بخطة خارطة الطريق وبالمبادرة العربية، وأصبحتا جثتين هامدتين، مقابل تجاهل وخرق وانتهاك قرارات المؤسسة الفلسطينية. 

• حتى لا نضيع في متاهات المبادرات وغيرها. يجب أن نلفت النظر إن عبارة "الحل العادل والمتفق عليه لقضية اللاجئين" وردت، أول ما وردت، في الطبعة الفرنسية لكتاب شمعون بيريس: "زمن السلام" والذي ترجم إلى العربية بعنوان "الشرق الأوسط الجديد. بيريس، هو أول من دعا إلى هذا الحل العادل والمتفق عليه"، في سياق رفضه القاطع لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى منازلهم وأملاكهم. دعا بالمقابل إلى أن يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى "الدولة الفلسطينية" مقابل "عودة" اليهود إلى إسرائيل. ألا نلاحظ أن ما دعا له بيريس بات الآن جزء ثابتاً من خطاب بعض المفاوضين وبعض القيادات في الحالة الفلسطينية؟!
 
                                                                       * * *

حاول بعض المستشارين تبرير تصريحات الرئيس عباس إلى القناة الإسرائيلية فادعوا أنها رأي شخصي. علماً أن الرؤساء كما هو معروف. لا يعبرون عن رأي شخصي حين يتعلق الأمر بالقضايا الوطنية الكبرى المنصوص عليها في الدستور أو الميثاق، أو صدرت بها قوانين أو قرارات عن المؤسسات المعنية وذات الصلة.

ما ورد في مشروع القرار الفلسطيني بشأن قضية اللاجئين ينسف إدعاء المستشارين، وما كان رأياً شخصياً، تحول إلى وثيقة رسمية، تقدم باسم الحالة الفلسطينية إلى أعلى سلطة دولة، هي الجمعية العامة للأمم المتحدة.

لذلك نطرح السؤال التالي: من صاحب القرار في صياغة ورقة فلسطينية رسمية، تخالف الميثاق والدستور وقرارات الشرعية الفلسطينية ممثلة في المجلس الوطني. وهل اطلعت اللجنة التنفيذية على هذا المشروع أم أنه جرى تهريبه من وراء ظهرها.

اللجنة التنفيذية مطالبة الآن برد واضح. إذا كانت قد أطلعت فهي كلها مشاركة في صياغة هذا التنازل المرفوض وطنياً. أما إذا كان القرار قد جرى تهريبه من وراء ظهرها، فهي مطالبة بأن تستعيد هيبتها باعتبارها القيادة الأولى للشعب الفلسطيني إذ لا يجوز استغفال هذه القيادة، كما لا يجوز استغفال الشعب الفلسطيني، ودون استشارته الإقدام على خطوة خطيرة بحجم التخلي في وثيقة "رسمية عن حق اللاجئين في العودة".

* عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين- دمشق. - ---