2012-11-13

أزمة اليمين الفلسطيني..!!


بقلم: د. حيدر عيد

تفاقمت أزمة اليمين الفلسطيني، بجناحيه الديني والعلماني، بشكل واضح في المرحلة الأخيرة بسبب غياب رؤية استراتيجية واضحة للتحرير، وعدم وجود فهم واضح لمفهوم التكتيك الذي يجب اتباعه من قبل حركات التحرر الوطني والخلط بينه وبين الإستراتيجي. وبغض النظر عن المُسبب لحالة الإنقسام على 22% من فلسطين (الضفة وغزة) والدور الذي سُمِح للولايات المتحدة، بالشراكة مع إسرائيل وبعض الأنظمة العربية البائدة بلعبه، في تأجيج حالة (الصراع) الداخلي، إلا أن الواقع يشير الى أزمة عميقة شارك فيها اليمين، بجناحيه، نهجاً وممارسةً..! 

ومن الخطأ المنهجي إرجاع هذه الأزمة الى عام 2007، حيث تم حسم المعركة لصالح الجناح الديني وإقصاء الجناح العلماني عن السلطة في قطاع غزة نتيجة رفض الأخير قبول نتائج انتخابات 2006. تلك الانتخابات التي كرست ثقافة أوسلو السياسية من خلال مشاركة الفصائل المعارضة لنهج المفاوضات الأوسلوي، وما أنتجته من عملية سياسية منافية للحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني من عودة وتقرير مصير، والسماح للإحتلال، مدعوماُ من قبل الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، بخلق انطباع جديد عن (الصراع) الذي يمكن إيجاد حل له عبر (حوار ومفاوضات) قد تستمر الى ما لا نهاية، وأن أساس القضية هو سيكولوجي نابع من (عدم تفاهم، وقدرة على الحوار..!). ومع النجاح في توريط اليسار واليمين الديني بدخول العملية السياسية السائدة في المنطقة من خلال إندماجهما في أفرازات أتفاقية أوسلو من مؤسسات تنفذية وتشريعية، وبالتالي تحييدهما، فإن الخيار الوحيد المتبقي لهما هو ما تم طرحه من قبل اليمين العلماني من حل الدولتين العنصري مع دفع حق العودة الى الخلف ليصبح البرنامج الوطني الفلسطيني (المُجمع عليه) هو إقامة بانتوستان (معزل عرقي) على جزء من أرض فلسطين لا يتعدى الـ 22% من مساحتها.

الخطر الكامن في هذا الطرح هو أنه يتعارض مع حق تقرير المصير الذي كفلته الشرعية الدولية والذي لا ينص صراحةً على حق عودة ملايين اللاجئين وتعويضهم. ناهيك عن الخطر الوجودي الذي يهدد مواطني دولة إسرائيل الفلسطينيين الذين يتعرضون لنظام فصل عنصري (أبارتهيد) يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة التي اعتبرته (جريمة ضد الإنسانية). وبالتالي فإن حديث الطرفين، ومعهما اليسار الستاليني، عن (الإنقسام بين شطري الوطن) يعبر بشكل عميق عن مدى الأزمة الفكرية التي يعانيان منها وإهمالهما، بسبب سيطرة نهج أوسلو، لباقي الوطن. أصبح الآن الوطن يتكون من شطرين هما الضفة الغربية وقطاع غزة..! وبالتالي فإن علاقة سكان الضفة وغزة مع لاجئي الشتات وسكان الـ 48 هي علاقة تضامن، وليست نضال مشترك..!

الأزمة التي خلقها اليمين العلماني، وبَلعَها الجناح الديني بطريقة مختلفة مغلفة بتبريرات دينية، تكمن في الوقوع في شباك برنامج (اليسار الصهيوني) الذي أعلن استعداده لقبول دويلة فلسطينية والعمل على (إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين..!) فمن ناحية، قبلت قيادة منظمة التحرير بهذا الطرح من خلال الموافقة على ما سمي (البرنامج المرحلي) المليء بالتناقضات حيث ينص على حق الشعب الفلسطيني في العودة، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة التي تم الموافقة على أن تكون على حدود 67..! والتناقض الواضح يكمن في أنه في الوقت الذي ينص البرنامج المرحلي على الحق في تقرير المصير، فإنه في نفس الوقت يحدد الأفق التحرري باقامة دولة على حدود 67 مع عدم ذكر حقوق مواطني إسرائيل الفلسطينيين..! وبالتالي فإن البرنامج يمكن أن يُفسَّر على أنه ينص على حق تقرير المصير لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة فقط..! وهذا بالضبط ما فعلته إتفاقيات اوسلو سيئة الصيت.

ولا شك أن مشاركة اليمين الديني الفائز في انتخابات 2006 وتبنيه لهذا الطرح، وصبغه بلغة جديدة عن (هدنة طويلة الأمد..!)، ساهم في تصغير تعريف الشعب الفلسطيني الى الذين يقطنون داخل حدود 67. ومن الطبيعي أن يتم المرور على حقوق المكونين الآخرين، من لاجئين وسكان 48، ولكنهم، في هذا السياق الجديد، لا يشكلون جزءاً رئيسياً من خطاب اليمين السياسي.

وهذا كان بالضرورة سيؤدي الى ما وصلنا إليه من وضع راهن، من صراع على كعكة السلطة بين جناحي اليمين، ووقوف (اليسار) متفرجاً في بعض الأحيان، ومؤيداً لليمين العلماني في أحيان أخرى بسبب المصالح المتشابكة. أصبح الفلسطيني يُعرَّف (على الهوية الفصائلية..!) ومن خلال ثنائيات جديدة بغيضة: الضفة-القطاع، رام الله-غزة، فتح-حماس، علماني-ديني، شرعية-انقلاب، هدنة-تنسيق أمني، صوارخ (عبثية)-مفاوضات (عبثية!)...الخ وقد أدت هذه الثنائيات الى شرخ عمودي وأفقي في المجتمع الفلسطيني يتحمل الطرفان المسؤولية عنه، وإن كان بدرجات متفاوتة.

وهذا بالضبط ما يمكن إعتباره نتيجة حتمية لأزمة اليمين الفلسطيني، في ظل غياب بديل جدي، وفي ظل تعنت أيديولوجي ضيق لا يرى الوطن إلا من من منظور فصائلي. وانعكست هذه الأزمة على الطريقة التي يقوم كل من الجناحين بتطبيقها في حكم الجزئين الذين يتحكمان بهما، وإن كانت تلك السلطة تحت حراب الإحتلال..! فقد أصبح الطرفان يعانيان من شيزوفرينيا سياسية كاريكاتورية. فأحدهما يصر على حق المقاومة، ولكن من منظورٍ واحد لا يأخذ الأشكال المتعددة الإبداعية الأخرى للمقاومة في عين الإعتبار. فيتم السماح، على صعيد المثال،  لمنظمات تطبيعية بالعمل بأريحية، والموافقة على إقامة حفل موسيقي لمايسترو إسرائيلي، والتعدي على وفود ثقافية عربية جاءت لكسر الحصار. وعلى الطرف الآخر يتم التنكر لحق العودة على لسان قيادات، ويستمر التنسيق الأمني بشكل غير مسبوق، وتوفير غطاء للعديد من الشخصيات المطبعة..! 

وتكمن العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية على أجندة أولويات كلا الفريقين. فالعلماني نجح في كسر العزلة التي فرضتها عليه أمريكا وأصبح مرحباً به في البيت الأبيض فور اعترافه بحق اسرائيل في الوجود، وتوقيعه اتفاقيات لا تنص على عودة اللاجئين ولا حتى إزالة المستوطنات. والديني بادر بإرسال أكثر من رسالة الى البيت الأبيض يؤكد تبنيه لخيار الدولتين، بدون الاعتراف باسرائيل (!)  وعلى اللاجئين أن ينتظروا 10-20 سنة حتى تتغير موازين القوى، وعلى فلسطينيي إسرائيل أن يقبلوا بالتفرقة العنصرية التي تمارس ضدهم حتى ذلك الوقت..!

إذاً قبل الجناحان حل الدولتين، واختلفا على من يحكم الدويلة العتيدة قبل أن تقام..! وتم تقديم نموذجين في الحكم لما يمكن أن يكون المعزل الذي سيسمى (فلسطين..!) نموذج (علماني، ليبرالي) يعتمد اقتصاده على معونات غربية وعربية، ويتبع روشتة البنك الدولي، تتحكم به طبقة ريعية، قد تعرف على أنها طفيلية، تستفيد من نمو الإستهلاك مع غياب كامل للإنتاج، وتحكُّم أجهزة أمنية عديدة به. ونموذج ديني يعتمد إقتصاده على إحسان وصدقات من العالم الإسلامي، وبروز طبقة، أيضاً ريعية، ولكنها تقوم على أساس احتكار المواد المستوردة، بعد اغلاق الأنفاق، ومواد البناء والصرافة..! في كلا الحالتين، اقتصاد غير انتاجي تتحكم فيه أقلية، طفيلية أحياناً، وعلى علاقة بمراكز الحكم، ولكنه اقتصاد، في المحصلة النهائية، محاصر من قبل اسرائيل..! ومن الواضح غياب مفهوم العدالة الإجتماعية بشكل كامل من كلا البرنامجين..!

يقول الشاعر الكبير مريد البرغوثي في رسالة موجهة للطرفين:
 "لا تلوموا من يضعكم في سلة واحدة ولا تنهمكوا في سوق الأدلة على نقاط الاختلاف بينكم في السياسة والتاريخ. فقد وفقكم الله في طمس كل الفروق أو معظمها في أقل مما توقعنا من وقت.... تقولون "حكومتنا" فتمر الكلمة منزوعة المعنى والدسم فأنتم أول من يعلم أن الحكومة الوحيدة القائمة، والفاعلة والمسموح بها في فلسطين هي حكومة الاحتلال، تأذن بحركتكم أو تمنعها، تفتح الحدود أو تغلقها، تدفع مستحقاتكم أو لا تدفعها وتختم جوازات سفركم أو لا تختمها..!"

العامل المشترك أيضاً بين الحالتين أنهما في الوقت الراهن يعيشان وهم الإستقلال وإن كان على حساب التحرير. فالأخير مرتبط بمفهوم تقرير المصير على أساس حقوق مكفولة حتى في إطار القانون الدولي. الغريب أن برنامج اليمين السياسي حالياً اقل من سقف ما تكفله الشرعية الدولية..! فالأخيرة تعترف بالحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بمكوناته الثلات: انسحاب من الأراضي العربية المحتلة، عودة تبعأ لقرار الأمم المتحدة 194، أنهاء السياسات العنصرية المطبقة ضد سكان 48 على أساس أن الأبارتهيد جريمة حرب. هذا هو البديل لبرنامجي اليمين من حيث أنه يركز على حقوق ثايتة لا تجزئ الشعب الفلسطيني وتتعامل مع مكون على حساب الآخر. وهو نقيض لحل الدولتين/السجنين العنصري بامتياز، والذي يتناقض جذرياً مع برنامج التحرير الذي يبدأ بتحرير العقل الفلسطيني.

 ولا شك أنه لا يوجد رؤية لدى الجناحين في الوضع الراهن للقيام بمبادرةٍ مقاوِمةٍ خلاقة. فأحدهما يضع كل جهده في تقديم طلب للجمعية العمومية للأمم المتحدة لقبول فلسطين كدولة غير عضو، ويتم التهليل لهذه الخطوة على أنها المفتاح السحري لدويلة لن تقام قريباً لسبب واضح الا وهو أن اسرائيل قد قتلت هذا الحل بلا رجعة من خلال بناء المزيد من المستوطنات، وتوسيع الموجودة منها لتصبح مدناً تضم مئات الآلاف من السكان..! بل أن عدد المستوطنين تخطى النصف مليون. وقامت اسرائيل ببناء جدار فصل عنصري التهم ما تبقى من الأرض. بمعنى آخر، فإن الذهاب الى الامم المتحدة للحصول على اعتراف بدولة فلسطين كعضو غير كامل العضوية فيها، يهدف أساساً الى تحقيق انجاز ما في مقابل اخفاقات وفشل في إنجاز ما وُّعِدنا به من حل الدولتين، الذي تحول الى حل السجنين.

أما الجناح الآخر فقد رضي بوظيفة كبير المساجين الذي يحافظ على النظام ويضمن أن للمقاومة مفهوم واحد لا يخرج الا من تحت عباءته، ويتم المحافظة عليه من خلال إما تهدئة، أحياناً، أو وقف اطلاق نار، أحياناً أخرى، وكأن هناك جيشين متساويين على خط إطلاق النار..! وأصبح الهدف هو الحصول على اعتراف بكينونته من قبل الغرب، بعد وصول التيارات الإسلامية لسدة الحكم في بلدان الربيع العربي. وصاحب ذلك تشدداً وغلواً أيديولوجياً داخلياً من خلال تطبيق قوانين تحد من الحريات الإجتماعية والعامة، ولكن بدون سنِّها..!

في كلا الحالتين يصبح الحفاظ على الوجود السياسي في غاية الأهمية، بل أولوية وجودية. وتصبح جدلية الوطن-الفصيل مشوَّشة، بالضبط كما كان يتم الخلط بين الرئيس والوطن في بلدان ما قبل الربيع العربي..!

* أكاديمي فلسطيني من قطاع غزة، محلل سياسي مستفل وناشط في حملة المقاطعة. - haidareid@yahoo.com