2012-11-13

غزة في المزاد العلني..!!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

عشرات القادة الاسرائيليين من سياسيين وعسكريين زاروا المدن والبلدات الاسرائيلية في الجنوب التي تقع في مرمى نيران الفصائل الفلسطينية. العسكريون ذهبوا الى هناك للايحاء ان الوضع وصل الى حد لم يعد يطاق بالنسبة لهم، خاصة بعد اصابة الجيب الاسرائيلي المصفح بصاروخ يعتقد انه من نوع كورنيت وجرح اربعة جنود. السياسيون، ابتداء من نتنياهو وباراك مرورا بمعظم الوزراء وانتهاء بزعيمة حزب "العمل" زاروا في اليومين الأخيرين هذه المنطقة، منهم من وصل الى سديروت ومنهم لم يتخطى عسقلان كما فعل نتنياهو، على الارجح بناء على توصية الأمن.

جميعهم تنافسوا على ما يجب فعله مع غزة التي تقض مضاجعهم ولا تجعل سكان الجنوب ينامون بأمان في بيوتهم. غزة وضُعت في المزاد، هناك من يطالب بإعادة احتلالها وهناك من يطالب بالعودة الى سياسية اغتيال قادتها، وهناك من يقول يجب اعادة "برمجة" اهلها. الضغط الشعبي والانتخابي يرتفع وضغط السياسيين يرتفع اكثر قبل اقل من ثلاث شهور من الانتخابات العامة وعلى بعد ايام او اسابيع من الانتخابات الداخلية للاحزاب وتشكيل القوائم الانتخابية.

جولة التصعيد التي بدأت قبل يومين قد تكون وصلت الى ذروتها وقد تكون لم تبدأ بعد، ما هو أكيد ان نتنياهو قد اتخذ القرار في تغيير قواعد اللعبة التي سادت خلال السنوات الماضية، وان السياسة التي انتهجتها اسرائيل حتى الآن لم تعد مجدية. لقد وصلوا الى استنتاج، على ما يبدو، ان قوة الردع الاسرائيلية لم تتآكل فحسب بل اصبحت الفصائل الفلسطينية هي التي تتصرف على ان اسرائيل اصبحت تحسب لهم الف حساب قبل ان تتوغل او تقصف او تقرر اغتيال مجموعة تخطط لعمل ما او اقتربت اكثر من اللازم للحزام الامني.

لو كان الامر يتعلق بنتنياهو فقط فهو لا يريد رصاص مصبوب آخر ولا يريد اعادة احتلال غزة، على الرغم ان حملته الانتخابية عام 2009 بُنيت على انه سيعمل على اقتلاع "حماس" من غزة، هذا لم يمنعه فيما بعد ان يفتخر بأنه لم يخوض اي حرب خلال فترة حكمة.

نتنياهو يعرف ان لا حلول سحرية مع غزة، وان المجتمع الدولي اليوم هو اقل تفهما لأي عملية عسكرية اسرائيلية بالمقارنة مع حقبة الرصاص المصبوب، ولكنه في نفس الوقت لا يستطيع ان يتحمل صرخات سكان الجنوب عشية الانتخابات، لو كان الامر يتعلق به لترك الامور الى ما بعد اعادة انتخابه مرة اخرى.

لذلك، اذا ما استمرت الامور على ما هي علية الآن، من تصعيد وتهدئة في فترات متقاربة ليس هناك من شك ان اسرائيل تقترب بأندفاع شديد نحو تغيير قواعد اللعبة في غزة. يدركون ان الثمن قد يكون مكلف، وان لا شيء مضمون، خاصة انهم يعتقدون ان لدى "حماس" و"الجهاد" صواريخ قد تغطي كل منطقة الوسط، لكن الطرفين على ما يبدو يسيران على سكة الصدام.

ليس هناك شرعية من قبل الرأي العام للقيادة السياسية في اسرائيل لاعادة احتلال قطاع غزة، وليس هناك شرعية ايضا للدخول في مواجهة طويلة تستمر الى اسابيع، وليس هناك شرعية دولية يمكن ان تُغمض العين عن عملية كبيرة، والوضع الاقليمي ليس كما كان في السابق.

لذلك، اذا ما قررت اسرائيل تغيير قواعد اللعبة، وبالاساس اعادة ما تسمية قوة الردع او اجراء صيانة لها، فان العملية العسكرية قد تكون على النحو التالي:
اولا: من حيث المدة الزمنية يجب ان لا تستمر اكثر من اسبوعين، حيث كلما امتد الوقت كلما ازدادت الانتقادات الدولية والاقليمية.
ثانيا: ستعيد اسرائيل سيناريو الساعات الاولى من الرصاص المصبوب التي تعتبرها انجح خطوة في كل هذه الحرب، اي توجيه العشرات من الضربات الجوية لمنشآت عسكرية وسيادية.
ثالثا: نقطة الضعف الاسرائيلية هي في قدرتها على ايقاف او التقليص من اطلاق الصواريخ خاصة بعيدة المدى، هذا يتطلب تغطية سماء غزة بكل ما لديهم من (زنانات) وطائرات حربية اخرى.
رابعا: اللجوء الى اغتيال بعض القيادات الكبيرة بهدف المساس المعنوي سيما "حماس" والجهاد الاسلامي.
خامسا: تحديد الهدف من هذه العملية في هذا الوقت فقط بأعادة قوة الرع الاسرائيلية وليس باجراء تغيير جذري بالوضع القائم، حيث كل لخيارات الاخرى المطروحة هي اكثر تعقيدا بالنسبة لاسرائيل.

سادسا: من حيث التوقيت، هل من الافضل ان يكون قبل التصويت على عضوية فلسطين في الامم المتحدة نهاية هذا الشهر ام قبل ذلك؟! هناك من يعتقد ان تسخين الوضع في غزة قبل وخلال التصويت يخدم المصلحة السياسية الاسرائيلية حيث سيصور الرئيس عباس على انه فاقد السيطرة على جزء مهم من الفلسطينيين، وهناك من يعتقد ان مواجهة مع غزة خلال هذه الفترة سيشجع دول كثيرة في العالم للتعاطف مع الفلسطينيين وبالتالي التصويت لصالح القرار.

على اية حال، الفهم الاسرائيلي للتعامل مع غزة كان وما زال ينحصر في التعامل الأمني، والغالبية العظمى من الاسرائيليين يعتقدون ان الفلسطينيين هم الذين يتحملون مسؤولية ما يحدث على اعتبار انهم تركوا غزة وأهلها عام 2005 وغزة هي التي لا تريد ان تتركهم وشأنهم. الغالبية العظمى من الاسرائيليين لا يدركون ان غزة محاصرة من كل الجهات، برا وبحرا وجوا، شرقا وغربا ومن الشمال والجنوب، وان الاسرائيليين هم الذين يحددون لأهل غزة كم سمكة يصيدون في اليوم من البحر وكم متر يدخلوا للاستجمام وكم سُعر حراري يحتاجون في اليوم.

لا يريدون ان يفهموا ان الناس تحب الحياة ولا تعشق الموت، ولكنها تعشق الحرية اكثر. كباقي الآدميين يريدون ان يستمتعوا بسماءهم وبحرهم وحدودوهم. يريدون ان يتحركوا بحرية ويتنفسوا بحرية، ويسافروا بحرية. الى ان يفهم الاسرائيلي ان مشكلة غزة ليست أمنية فقط.. الى اللقاء في جولة الهدوء القادمة.

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - szaida212@yahoo.com