2012-11-13

ياسر عرفات لم يرحل بعيداً..!!


بقلم: حسام زهدي شاهين

تمضي بنا السنون عاماً في إثر عام، ويحط بنا الزمن ثقيلاً في حوله الثامن على غياب رئيسنا وقائدنا ياسر عرفات، فكلما ابتعد بنا العمر ردحاً عن تاريخ استشهاده، ازددنا التصاقاً بإرثه وقيمة الثورية السامية، التي رسخها في ثقافتنا الوطنية.

فكثيرة هي الحكايا التي يمكن أن نسردها للأجيال القادمة عن تاريخ هذا الرمز، وعن مدرسته العرفاتية المليئة بالحكمة، والمعرفة السياسية في كيفية مواجهة غطرسة اعداء هذا الشعب، لأن القائد الحقيقي هو الذي يُعرف من خلال مواقفه الثابتة والشجاعة، وليس من خلال منصبه المتغير، فأبوعمار صاحب الكوفية المرقطة، والبزة العسكرية، هو الذي نقل القضية الفلسطينية من خيمة لاجئ إلى كيان سياسي، وهوية وطنية، ومشروع دولة! وعندما نستذكره في مثل هذا اليوم، نأمل أن نعيد له قليلاً من حقه علينا، خاصة وأنه من الزعماء التاريخيين القلائل الذين امتازوا بقيمة الوفاء.

فالوفاء كلمة نادرة التفعيل في قاموس العمل السياسي، الذي تتحكم في سياق مساراته المصالح المتبادلة، والتي سريعاً ما تتبدل من تحالفات إلى تناقضات، غير أن الذي ولد بشكل طبيعي في حاضرة الثورة، ونشأ في حضانتها، تقوده تربيته السليمة الى الاعتقاد بأن السياسة عمل ثوري متواصل باشكال مختلفة، يتلائم والمراحل المتطورة، بهدف خدمة الجماهير والإنتقال بواقعها من الأسوأ إلى الأفضل، بالتالي عليه أن يكون وفياً لكل من ساهم في بناء ونهضة هذا المشروع حتى وإن اختلف معه، وهذا ما شهد به كل من عايش ورافق ياسر عرفات، حتى أولئك الذين صنفوا في مرحلة ما بألد خصومه.

ومن وحي هذه الذكرى استحضر ذلك المشهد الذي حدث إبان حصار الرئيس في العام 2003، عندما دعينا لإجتماع مصغر في المقاطعة لمناقشة موضوع منح أو حجب الثقة عن الحكومة التي كان يزمع تشكيلها الرئيس، حيث كانت كتلة فتح البرلمانية منقسمة في ذلك الوقت على نفسها، وتمثل المعارضة والموالاة، وخلال الحوار الدائر، أشار أحد الأخوة النواب الحاضرين، إلى أن أحد المعضلات التي تواجههم في التعاطي مع أبوعمار، تتمثل بتداخل الوفاء لديه، أحياناً، مع يصغة العمل الحكومي، الشأن الذي ينجم عنه نوع من التعارض بين ما يرتأيه الرئيس وبين ما يريده البرلمان، وهذا هو سبب الرفض لسياسة الفرض، مطالباً الرئيس بالحفاظ على وفاءه بعيداً عن المؤسسة الرسمية.

وفي هذه الأثناء أتذكر كيف ارتعد الختيار، وتبدلت تقاسيم وجهه، وخاطب الجميع قائلاً: لولا هذا الوفاء الذي تعايرني فيه لما وجد أحد منكم في موقعه، كما أنني لست مستعداً لإنهاء أو إقصاء دور أحد بناء على خلافات بعضكم معه، ففلسطين بحاجة لجهود كل أبنائها، والمشوار لازال أمامنا طويل جداً، ومن منكم يزعجه الوفاء فهذه مشكلته، أما أنا فسأبقى وفياً للجميع، وبكل من بادلني الوفاء حتى آخر يوم في حياتي.

وبالفعل، هذا ما التزم به ياسر عرفات حتى آخر أيامه، وهذا ما يفتقر إليه الكثير من القيادات السياسية الفلسطينية، وقد إرتأيت من خلال هذه المقالة أن اسلط الضوء على هذا الجانب القيمي المهم من حياة الرجل، فحتى اليوم لم يكشف النقاب عن قتلة رئيسنا! وحتى اليوم لم ينجز مشروع متحف ياسر عرفات الذي وعدنا به كثيراً، فأين نحن من عظيم الوفاء الذي منحنا إياه؟.

ياسر عرفات لم يرحل بعيداً، لأننا كلما التزمنا بالقيم الثورية، والوطنية، والاجتماعية، والانسانية التي أرساها في حياتنا، كان قريباً منا، وكلما ابتعدنا عن هذه المنظومة الأخلاقية، كنا بعيدين عنه، وحتى لا تتوه البوصلة، علينا الإدراك بأننا لازلنا حركة تحرر وطني، لها مالها، وعليها ما عليها من واجبات وحقوق.

* أسير مقدسي يقضي حما بالسجن لمدة 7 عاما- سجن أوهلي كيدار- بئر السبع. - nashaheenzah@yahoo.com