2012-11-11

الاحتلال الاسرائيلي في المحمية الدولية


بقلم: آصف قزموز

إن أي حل لقضيتنا الفلسطينية، لن يكون متاحاً من خلال المواقف والسياسات العنترية الجوفاء أو المثالية الحالمة أو المتعامية عن الحقائق، وما لم تشكل الدولة الفلسطينية مصلحة اسرائيلية ودولية كذلك، فلن تتاح ولن تقوم حتى لو قامت ناقة صالح، آخذاً بالاعتبار، أن مساحة نفوذ أي رئيس أميريكى وسطوته مهما اتسعت لصالحنا، لن تكون كافية وحدها لفرض قيام دولتنا المنشودة، وأن المصلحة الاسرائيلية ما تزال أفضلية وأولوية قصوى لدى واشنطن والنظام الدولي عموماً بحكم توازن المصالح القائم.

لقد بت اليوم أكثر تفاؤلاً مع صعود باراك أوباما لولاية ثانية وهزيمة خصمه الجمهوري، الذي عنى في ما يعنيه عملياً هزيمة لمنطق العنصرية والتطرف الليبرماني النتنياهوي، وانفتاح مساحة أوسع وأكثر تحرراً لدور أميريكي أكثر تحرراً وفاعلية وتوازناً تجاه قضيتنا الفلسطينية، وأقل مهاودة وتساوقاً مع معسكر التطرف الاسرائيلي بزعامة نتنياهو. 

لكن حتى نشخص الأمور بوضوح، ونضع حداًّ لأصحاب الشعارات والسياسات الملهبة للعواطف والمثيرة للعواصف والانتفاضات والاضرابات تحت الطلب، في غير مكانها ولا زمانها. لا بد أن نجروؤ ولو مرة على تشخيص حالتنا وقضيتنا المزمنة ونشير صراحةً للوعاء الدولي الشامل والمستحوذ على قضية الشعب الفلسطيني وغيرها، وقراءة ذاتنا والآخر بالمعرفة الحسية على علاتها وكما هي بلا أقنعة أو مُجَمّلات ولا أوهام. فإذا كان الاستعمار أو الاحتلال قد مثَّل على مر العصور تقاطع أو تناغم أو تحقيق وتكريس مصالح دول على حساب أُخَرْ، فلا غرابة ولا غضاضة أن نرى في الدول الخمس دائمة العضوية وصاحبة العصمة وقرار الحسم وتحديد المصير، هيئة أركان، أو مجلس إدارة عليا للاحتلال الدولي الماثل، حيث وظفت الأمم المتحدة منذ قيامها وفقدان بكارة حيادها، كغرفة عمليات تدير الحالة الاستعمارية للعالم وترعى تقاسم النفوذ والسيطرة على الثروات، كلٌّ حسب قُدرته وسطوته وزعرنته ووزنه في الشراكة، الى جانب حقيقة دورها كحائط مبكى دائم للشعوب والدول المُصطَفَّة في دائرة الهدف والاستهداف، لا بل وفَشِّة خُلُقْ تتقاذف جدرانها صدى صرخات الشعوب وأناتهم وتظلماتهم وهم يعبرون عن مشاكلهم وأمنياتهم قولاً أو حلماً فحسب، أمام هذه الخماسية الأبعاد والأطراف والقوة، من مالكي المُلك، الذين باتوا يحكمون العالم بحذاء مصالحهم.

انها تشكل اليوم، تعبيراً فَجّاً عن استعار حِدَّة انكشاف تحولها من مؤسسة دولية راعية لمصالح الأمم، نحو ديكتاتورية استعمارية شمولية احتكارية بقفاز حرير. وبالتالي، وتبعاً لهذا المضمونْ، فالخمس هم الذين يقررونْ، ويؤتون الملك والحكم لمن يشاؤونْ، وينزعونه ممن يشاؤونْ، لا بل ويمنعون الماعونْ، تاركين الشعوب في كل وادٍ يهيمونْ، وهم وحدهم المُتَّكِئونْ. وإلاّ كيف نقرأ ظاهرة وجود حكام ونظُم، يوصمون بالإرهاب ويقام عليهم الحَدّ بحدين أميريكي ودولي، واليوم مع اختلاف اتجاه بندقيتهم ونقلها من كتفٍ الى كتِف، يصبحون ايجابيين ومن تهمة الإرهاب براء، والعفو عما سلف بأثرٍ رجعي، وبالعكس.

إن فكرة الاحتلال في جوهرها وتجليها، باتت تعني عملياً احتلال المصالح والاستحواذ على مكوناتها، وليس احتلال الأرض والثروات بالمعنى الكلاسيكي السائد فحسب. فالعالم كله والحكام الأميركيون بلا استثناء وصولاً لباراك أوباما وما بعده مثلاً يعون جيداً عدالة قضيتنا وشرعية حقنا في الحياة الحرة كباقي الشعوب، لكن هذا ليس هو المعيار الذي يحكم مواقفهم، وإنما مصالح نفوذهم، ومتطلبات تحكمهم وسيطرتهم المشتركة على المقدرات والثروات، وفي رأسها الطاقة، التي يجري اليوم على أساسها التقاسم فيما بينهم وتشكل معيار الحسم الحقيقي الذي يميز القوي من الضعيف في نطاق المعادلة الدولية عموماً. وهي ذات المعادلة المصالحية التي حكمت التقاسم بين المنتصرين في الحربين العالميتين خلال القرن الماضي، وإن اختلفت أوتطورت الوسائل والأشال للاحتلالات والحروب في العصر الحاضر.

هذه هي الصورة الحقيقية لدور المجتمع الدولي في هذا الطور من أعلى مراحل الاستعمار والرأسمالية المسيطرة، والتجليات الحسِّية لأشكال الاحتلال الساكنة والمتحركة في العالم، حيث أن الأمم المتحدة وظفت لتكون إدارة وقُبَّعَة حافظة في خدمة مصالح مراكز النفوذ الخمس. ومن هنا، يصح القول أن فلسطين والحالة هذه، تعيش حالة احتلال مركب بامتياز.

أعلم أنني لم اكتشف الماء الساخن ولا الدولاب ولا البارود، ولكن ما أدعو إليه هو أن نعمل بهدي وإدراك هذه المعرفة للحقيقة، حتى نتمكن من إدارة مصالحنا المتاحة وأزمتنا الراهنة، بما يخفف الأعباء عن كاهل شعبنا ويضمن عبوراً مأموناً لحياة الناس بأقل الأضرار الممكنة، في هذه المرحلة من الخيار الصعب والوضع المريب.

لقد جاء التحول النوعي في السياسة الاستعمارية الأميركية، الذي صرفها عن المراهنة على الدول الأكبر وتسييد الدول الأصغر والصغرى، مثل قطر، بدلاً منها، ليس صدفة ولا وليد لحظة عابرة، وانما في سياق تطوير وتحديث وتعزيز للمصالح، بدأ مع دعوة أحد المسؤولين الأميريكيين ريتشارد بيرل الذي كان يسمى في ثمانينيات القرن الماضي بأمير الظلام، الى الاستعاضة عن دول النفوذ الكبير مثل مصر والسعودية، بدول صغيرة تخدم ذات الأهداف بحماية أميريكية، وهذا ما هو قائم حالياً وماشي آخر حلاوة مثل كعك العيد.

إذن ما يتوجب أن نستوعبه ونتصرف بوحيه وعلى أساسه، أن حقيقة مشكلتنا أكبر من السلطة الوطنية ومن الفلسطينيين وحدهم، وحدودها ليست مجرد احتلال إسرائيلي واستيطاني في الضفة الغربية، وإنما هي مشكلة تتوزع على طول المصالح الدولية ذات النفوذ الاستعماري الحديث بكل معانيه ومقولاته وآلياته وأدواته المتجددة، والتي تشكل القضية الفلسطينية في فسيفسائها، الحلقة الأضعف والأقل اهتماماً وأهمية بالنسبة لخماسي النفوذ الدولي، إلاَّ بما يحقق ويخدم تلك المصالح، اللهم إلا إذا كنا نريد أن نتحدث عن بعض الجوانب والمشاكل ذات البعد الإنساني في تعاطفهم وإطار سعيهم لإدامة وتكريس النظرة للقضية الفلسطينية كقضية إنسانية وقضية لاجئين فحسب، وهذا ما باعد على الدوام، ما بين الحق الفلسطيني، وقدرة شعبنا على نَيْلِهِ والتحصل عليه.

نعم، إن الاحتلال الإسرائيلي، لا يقتصر على المكون الإسرائيلي فحسب، فإسرائيل هي جزء من مكونات منظومة المصالح الاستعمارية التي دخلت في حالة زواج مبكر مع مصالح الحركة الصهيونية، وباتت تستثمر وجود إسرائيل كشريك مضارِب، له في الربح ولا عليه في الخسارة، بحيث جعلوا من استمرار الاحتلال ، ومنع قيام كيان فلسطيني مستقل بمعنى الدولة، مصلحة حيوية وإستراتيجية بالمنظور الإسرائيلي المتطرف، وبالمنظور الاستعماري الدولي المستثمر والمستفيد التابع في عهدي الاستعمار القديم والجديدْ.

إسرائيل هي قوة الاحتلال المباشرة، لكن المستثمرين وأصحاب المصالح في ديمومة هذا الاحتلال ودعمه، كُثُر، ينضوون عملياً تحت عباءة وإبْطِ الدول الخمس المتحكمة والقوة المتنفذة، وذلك تبعاً لتقاطع المصالح التي تعكس وتجسم صورة العالم واصطفافاته وإحداثياته ونُظُمِه بجلاءْ، بما في ذلك النظام العربي المستخدَم في خانة اللاشريك. 

إنني أتجرّأ على سرد هذا التشخيص، من أجل أن نحدد موقع أقدامنا بدقة، ومعرفة قدر أنفسنا وإمكانياتنا الفعلية وتأثيرنا، ومساحة حجمنا الحقيقية في المعادلة، وكيف نُحسِن أدائنا بما يحفظ حقوق ومصالح شعبنا في نطاق وسياق مصالح الآخرين لا خارجها، فلا نكلف أنفسنا أكثر من وُسعِها، بعيدأً عن أي عنفٍ أوحروب مهما كانت دوافعها ومكوناتها وسقوف توقعاتها.
إن علينا أن ننظر للاحتلال الاسرائيلي باعتباره جزأً مكوناً داخل اطار منظومة من المصالح الدولية الاستعمارية، وأن نرى بدقة حقيقة المساحة والحيِّز الذي تشغله اسرائيل، مقابل ما نَشغَلُهُ نحن، وبالتالي نحن مطالبين ببناء وإعادة بناء علاقات مصالح مع جميع الأطراف الاسرائيلية والعربية والدولية، وأن نأخذ بعين الاعتبار حجمنا الفعلي الحقيقي وليس الدعاوي التعبوي والحقوقي، الذي نُشَكِّله في إطار منظومة مصالحهم، ونرى هذه الذات بمنظار مصالح الآخرين كذلك، لأن في هذا ما يمكننا فعلاً من تحديد موقعنا وبناء موقفنا ورسم سياساتنا بدقة وموضوعية وعقلانية متوازنة.

إن النظام العربي الرسمي ما هو الاّ جزاً تابعاً مكوناً و ملحقاً بالنظام الدولي، وبالتالي لا يمكنه ممارسة أية استقلالية حقيقية في اتخاذ قراراتٍ ورسم خياراتٍ أو رؤى. لذا ليس من المنطق ولا الحكمة بأي حال من الأحوال أن نعادي كل هؤلاء، وإن لم يكن لهم مصالح معنا، يتوجب علينا أن نسعى لخلق هكذا مصالح تقرب مسافات الشراكة أو القواسم معهم، وفي المقدمة منهم اسرائيل. نعم، انه الامتثال للشروط الموضوعية ومغادرة لمربع قل كلمتك وسِر المتخم باللفظية والعنترية. فالحرية والاستقلال وصنع السلام لن تكون يوماً الاَّ وليدة المعادلة الدولية وحسب، وأية حروب وصراعات ستظل أشبه بصراعات عالم الحيوان داخل سياج محكم في المحمية الدولية.

وبالتالي فإن الأمم المتحدة لن تفرض على اسرائيل أية حلول تتعارض مع جوهر الرابط المشار اليه وفق المنظومة وهذه التركيبة، وهو ما يفسر عدم الزام اسرائيل حتى الآن بأية قرارات دولية لا ترغب بها. ولكن حصولنا في الجمعية العامة على اعترافٍ بدولة غير عضو، سيقطع الطريق على مشروع حماس نتنياهو بشأن الدولة ذات الحدود المؤقته، أتمنى أن نبني ونراكم عليه، بهذا المنظور ودون تجاهل لهذه الحقائق، مع استمرار قناعتي بأن الدولة الفلسطينية المنشودة في مطلق الأحوال والظروف، لن تتجاوز سقف التقاسم الوظيفي والأحكام الخاصة، التي ستتمسك بها تل أبيب في هذا الطور وهذه الحقبة كتطمينات وضمانات تهديء من روع احتلالها الذاهب الى غير رجعة لا محالة.

* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله. - asefsaeed@yahoo.com