فقيهان يهوديان في القانون، واحد قاض عسكري إسرائيلي وصل إلى عضوية المحكمة العليا الإسرائيلية من أصل عراقي متخصص في القانون الجنائي (إدموند ليفي) (ليكودي سابق)، وثان أستاذ أمريكي في القانون الدولي من الولايات المتحدة الأمريكية ريتشارد فولك) وممثل مجلس حقوق الإنسان، الأول قرر أن الضفة الغربية وقطاع غزة ليست أراض محتلة ومستوطناتها شرعية، بينما أعلن الثاني أن إسرائيل دولة محتلة بل دولة تمييز عنصري، ومستوطناتها جريمة حرب، وتستحق أن تفرض عليها جزاءات دولية ومحاكمة قادتها أمام المحاكم الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
ما بين فولك وليفي فراسخ من العدالة، جعلت الإدارة الأمريكية تعلق على موقف ريتشارد فولك من الإحتلال الإسرائيلي بل وتنتقده أشد انتقاد وكأنها الأداة الطيعة بيد إسرائيل رغم أن فولك هو أمريكي الجنسية وأستاذ قانون دولي في الجامعات الأمريكية. ومن المفارقة أن إدموند ليفي وتقريره الصادر في التاسع من شهر تموز/ يولية 2012 لم يحظيا بذات التقريع الأمريكي رغم خطورة ما ذهبت إليه اللجنة التي ترأسها وشكلها بنيامين نتنياهو في شهر كانون الثاني من عام 2012 لفحص الأوجه القانونية لملكية الأراضي في الضفة الغربية ولمراجعة تقرير ساسون لعام 2005 الخاص بالبؤر الإستيطانية.
شتان بين أن تقوم منظمة دولية تتسم بالحياد بتشكيل لجنة للتحقيق في الجرائم الإسرائيلية في الأراضي المحتلة في قطاع غزة أثناء عماية الرصاص المصبوب كما حدث في لجنة القاضي اليهودي الجنوب إفريقي جولد ستون 2008، وبين أن يشكل رئيس الوزراء الإسرائيلي لجنة برئاسة القاضي إدموند ليفي، وعضوية ألأن باكر المستشار السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، وتشا شابيرا ابنة الحاخام الأكبر لإسرائيل السابق شلومو غورن. كيف يمكن للشخص أن يحقق مع نفسه، وهل يمكن أن يكون الشخص خصما وحكما في آن واحد، تماما كما تم في قضية التحقيق في الهجوم على السفينة التركية مرمرة. في مثل الحالة الثانية تضيع المصداقية والموضوعية والحيادية والعدالة.
لا غرابة أن يقوم المستوطنون ورئيس الوزراء الإسرائيلي وأعضاء كنيست بتأييد تقرير إدموند ليفي وتبني وجهة نظره بينما يمنع فولك من دخول الأراضي المحتلة كممثل لمجلس حقوق الإنسان في جنيف. تقرير ليفي عاد قرنا من الزمن إلى الوراء ليؤسس مشروعية إسرائيل على الأراضي المحتلة وعلى وجودها، ورأى في وعد بلفور لعام 1917 ومؤتمر سان ريمو لعام 1920 وصك الإنتداب الأممي في عام 1922 أساسا قانونيا ضمن القانون الدولي العام لقيام دولة إسرائيل وإسباغ الشرعية الدولية على وجودها. بل إنه لم يعد ولم يستند لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين رقم 181 في عام 1947 وهو أقرب إلى رفضه من قبوله.
لا عجب أن يتغنى اليمين الإسرائيلي بتقرير ليفي وأن يرفض الفلسطينيون تقرير ليفي، لكن هذا التقرير الصادر باللغة العبرية ومترجم جزئيا للغة الإنجليزية وهوالذي اثار جلبة في الشارع الرسمي والقانوني الإسرائيلي، ودرست عواقبه وآثاره على الساحة الداخلية والدولية، مر مرور الكرام فلسطينيا سوى تصريح سياسي هنا أو هناك. والأغرب أن منظمات غير حكومية فلسطينية – على تعددها - تعنى بالقانون الدولي العام والإنساني وحقوق الإنسان لم تحرك ساكنا او تقم برد فعل قانوني على ما ورد في هذا التقرير من مغالطات وتحريف للحقائق وتشويه لها.
غريب أمر كثير من القانونيين الإسرائيليين في عملية لي القانون الدولي العام وانتقائيتهم في نصوصه سواء أكانوا محامين أم قضاة أم أساتذة قانون. وإذا كان لهؤلاء عذر كونهم إسرائيليون وصهاينة أو مستوطنون، إلا أن ما يزيد الأمرغرابة أن بعض الفقهاء الغربيين يناصرونهم ويشدون على أياديهم ويؤكدون على حججهم ويساندونهم في المحافل الدولية. ومن لا يناصرهم في وجهة نظرهم يهدد في مركزه القانوني وعمله وكليته وجامعته، بل يشوه بنعته أنه غير سامي أو ما شابه. يترافق مع ذلك قلة الكتابات العربية الفقهية القانونية وانشغال الفقهاء العرب بشئونهم المحلية أو الخوف من الحاكم وسلطاته وأجهزته أو حرصهم على الإرتقاء ولو على حساب القضية الوطنية.
فمثلا جميع الدول العربية والإسلامية تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع الولايات المتحدة وبريطانيا. وبالقطع هذا يشمل علاقات اقتصادية وثقافية وسياحية وعسكرية وما إلى ذلك، وليس هذا محل الشكوى أو الإعتراض. والبعض يرى في بريطانيا ولية نعمته ورعاياها ما زالوا يعاملون معاملة الأسياد لاغم أفول شمس الإمبراطورية البريطانية. سؤالي هو لماذا يقوم نفر قانوني إسرائيلي بالإستناد إلى أعمال دولية أو بريطانية مثل صك الإنتداب أو مؤتمر سان ريمو ولا تقوم دولة عربية أو إسلامية أو جامعة الدول العربية بالطلب من بريطانيا أن تعلن على الملأ عن بطلان وعد بلفور أو تعلن على الأقل ألأسف والندم على الضرر الذي ألحقته بالشعب الفلسطيني جراء هذا الوعد ام أن التضامن مع الفلسطينيين مجرد كلام وعلاقات عامة ليس إلا..!!
لماذا لا تتوجه دولة عربية أو إسلامية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لطلب رأي إفتائي من محكمة العدل الدولية تطلب فيه الرأي في وعد بلفور أو في مقررات سان ريمو أو في إدراج وعد بلفور في صك الإنتداب البريطاني على فلسطين أو في مشروعية قرار التقسيم. لماذا لا نبطل كل هذه الوثائق الدولية والتي غدت أساسا زائفا للمشروعية الدولية؟ّ!
المطلوب دوليا على الصعيد الرسمي والشعبي في مواجهة تقرير إدموند ليفي الليكودي والقاضي العسكري والعليا الإسرائيلية أن يتم هدم جميع الأسس والمرتكزات التي استند إليها في تقريره سواء منذ قرن أم أقل، وتعزيز جميع الصور والقائلين بالشرعية الدولية ومرتكزاتها وأسسها مثل الفقيه اليهودي الحر رتشارد فولك. فلا بريطانيا عبر الإنتداب ولا إسرائيل عبر القوة العسكرية ملكت السيادة الفلسطينية، وإنما هي باقية للشعب الفلسطيني ما حيي. وما هذه المحاولات اليائسة من هنا أو هناك إلا لإضفاء قدر من الشرعية الدولية التي تفتقدها إسرائيل كثيرا وتسعى لشرائها باي ثمن ولو بلي الحقائق..!!