أنكرت إسرائيل، كعادتها، بأنها هي التي قامت بعدوانها على مصنع الذخيرة (وقد جاء في الأخبار أن الذي دمر لم يكن مصنعا للذخيرة بل شحنة من الذخيرة والأسلحة، جاءت من إيران وموجهة إلى حركات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وهذا لا يغير كثيرا من جوهر موضوعنا) بالقرب من العاصمة السودانية (الخرطوم) صبيحة يوم 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2012. فقد قامت بهذه العملية لأسباب كثيرة، ولكن في مقدمتها أنها تحاول دائما أن يكون لها اليد العليا في المنطقة، وإثبات تفوقها العسكري والمخابراتي، ومنع أي تطور عسكري لدى الدول العربية. والسبب الثاني إرسال رسالة للمقاومة ولإيران أنه لا يزال في مقدورها رصد ما يجري من تحركات على الجانب الآخر وتدميره إذا احتاج الأمر.
وتاريخ إسرائيل حافل بمثل هذه العمليات. فهي دائما تعارض بيع أسلحة متقدمة وحديثة للدول العربية، وقامت بتدمير المفاعل النووي العراقي، وكذلك السوري، وكما قيل في أكثر من دراسة أن الهدف الأول لكل الحروب التي بادرت فيها إسرائيل كان تدمير المقدرة العسكرية العربية. وبالتالي فرض إرادتها على شعوب المنطقة.
ويعود نجاح إسرائيل في تنفيذ مخططاتها هذه إلى عوامل كثيرة. في مقدمتها الضعف الإستراتيجي العسكري العربي، وضعف الإستراتجيات الإعلامية العربية في تسويق الجرائم التي ترتكبها إسرائيل. والعجز العربي بالرد على الغطرسة العسكرية الإسرائيلية. والخلافات القائمة بين الدول العربية بالنسبة للموقف من إسرائيل، والتي تعرف إسرائيل كيف تستغله.
فالعملية التي نحن بصدها، مؤشر على الضعف العسكري العربي، وترمز إلى تواطؤ بعض الأنظمة العربية مع إسرائيل لأهداف سياسية وأيديولوجية. فمثلا كان لا بدّ للطائرات المقاتلة الإسرائيلية من العبور في مجالين جويين عربيين على الأقل، وهما المجال السعودي والمجال المصري للوصول إلى هدفها المطلوب ، كما تبين من الرسومات التي نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية غداة يوم العملية . وحسب ما تقول صحيفة "يدعوت أحرونوت" (25/10/2012) فقد قطعت هذه الطائرات مسافة 2,000 كيلومتر كي تصل إلى الأهداف التي حددت لها، دون أن تواجه أية مقاومة.
ورأسا يتبادر إلى ذهن الإنسان أسئلة كثيرة منها: أين الرصد الجوي للدولتين المذكورتين؟ كيف يمكن أن تمر هذه الطائرات فوق مجالاتها الجوية بدون أن تكتشفها الأرصدة الجوية؟ وأين ألرصد والدفاعات الجوية السودانية؟
والأخبار التي جاءت في أعقاب هذه العملية لم تتحدث على الإطلاق عن أية مقاومة أرضية أو جوية للطائرات المغيرة التي قامت بمهمتها وعادة إلى قواعدها سالمة. صحيح أنه خلال السنتين الأخيرتين أشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى وجود تقارب بين إيران والسودان، وأن إيران تمد السودان بالسلاح، وتستغل مجالاتها لإيصال السلاح والذخيرة إلى أيدي منظمات المقاومة. وهناك زيادة في التنسيق التجاري والأمني والاقتصادي بين الدولتين، ولكن هذه الأمور لا تغير أي شيء من جوهر الموضوع، خصوصا بالنسبة لعمليات رصد الحدود جوا وأرضا وبحرا.
ويسهل على آلة الإعلام الإسرائيلية تبرير عمليتها هذه عن طريق إدخال عناصر لتبرير ما تقوم به من أهمها: التحرك الإيراني السياسي والعسكري، والعمليات العسكرية التي تقوم بها حركة "حماس"، وحاجة إسرائيل إلى توجيه "ضربة وقائية" لحماية نفسها. وكل هذه العناصر مقبولة لدى بعض الدول الغربية وبعض الأنظمة العربية، التي ترى أن الخطر الإيراني عليها قد يتفوق على الخطر الذي تشكله إسرائيل على وجودها.
طبعا هذا التفكير مرفوض لدى الجماهير العربية التي لا تزال ترى أن القضية الفلسطينية هي قضيتها الأولى، وأن إسرائيل لن تعرف الاستقرار والراحة طالما أنها تتنكر للحق الفلسطيني، وبما فيها شعوب الدول التي ترى أنظمتها أن الخطر الإيراني قد يتفوق على الخطر الإسرائيلي.
فمن أسباب سقوط نظام حسني مبارك في مصر، جاء بسبب الخدمات التي كان يقدمها لإسرائيل، خصوصا في المشاركة بفرض الحصار على قطاع غزة. كما برهنت الشعارات التي رفعها الذين شاركوا في ثورة 25 كانون ثاني/ يناير كانت مؤيدة للقضية الفلسطينية. وكذلك الشعارات التي رفعت أثناء الثورة تونسية واليمنية وغيرها من الدول العربية التي واجهت انتفاضات شعبية.
ولكن عملية السودان تسلط الضوء على ضعف إستراتيجي عسكري إسرائيلي ولكن على حدودها الشمالية. ففي الوقت الذي استطاعت الطائرات الإسرائيلية قطع 2,000 كيلومتر بدون أية مقاومة للوصول إلى أهدافها في السودان، استطاعت المقاومة اللبنانية إرسال طائرة تجسس بدون طيار، قطعت مئات الكيلومترات، وإرسال عشرات الآلاف من الصور التي التقطتها، قبل أن تكتشفها وسائل الدفاع الجوية الإسرائيلية وإسقاطها.
وهذه العملية مؤشر واضح إلى الخلل موجود في المقدرة الإسرائيلية. فقد عجزت المخابرات الإسرائيلية (والأمريكية والغربية أيضا) في رصد تحركات المقاومة قبل إرسال الطائرة "أيوب" في مهمتها. في حين كان الأمر عكس ذلك بالنسبة للسودان. والأسباب لذلك كثيرة. في مقدمتها أن المخابرات الإسرائيلية لم تستطع التغلغل داخل حزب الله رغم كل الأموال والجهود التي بذلتها، ولا تزال تبذلها. أما بالنسبة للوضع في السودان فيبدو أن إسرائيل حصلت على معلومات دقيقة، وربما ساعدتها في ذلك بعض الدول العربية.
وهذا الفشل يبرهن أن المقدرة الإسرائيلية "الفائقة" في رصد كل ما يدور في المنطقة هو أسطورة. فنجاحها في هذا المضمار يعتمد في الأساس على مساعدات مخابراتية تحصل عليها من دول غربية أو دول عربية أو عن طريق عملاء لها. ولكن عندما تستطيع الدول العربية ومنظمات المقاومة من كتمان تحركاتها، يظهر الفشل الإسرائيليى وبوضوح.
أمامنا مثلان أساسيان: الأول فشل إسرائيل في رصد التحركات العسكرية المصرية والسورية أثناء استعدادها لخوض حرب 1973، مما أدى إلى عبور الجيش المصري قنال السويس وأسر العديد من الجنود الإسرائيليين، وتحطيم خط بار ليف الشهير. والمثل الثاني هو فشل إسرائيل في رصد الاستعدادات العسكرية لحزب الله، ومقدرته القتالية مما أدى إلى هزيمتها في حرب لبنان الثانية عام 2006. ولغاية اليوم لا تزال إسرائيل تهدد بضرب مواقع وبطاريات الصواريخ التي يملكها حزب الله. ولكن تاريخها يشير دائما إلى أنها لا تتأخر ثانية عن توجيه "ضربة وقائية" في حالة تأكدها من المعلومات التي بيدها، فكم بالحري بالنسبة لبطاريات صواريخ موجهة ضده؟!