نستطيع الآن، بعد عدة أيام من زيارة أمير قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وزوجته، لقطاع غزة، أن نناقش المغزى من هذه الزيارة بعيداً عن ثنائية غزة- الضفة الزائفة، التي فُرضت على الِشعب الفلسطيني برمته، وبعيداً عن النظرة الفصائلية الضيقة التي صغّرت الوطن الى فصيلٍ واحدٍ..! علينا أن ننظر الى هذه الزيارة نظرةً نقديةً بناءة تضع نصب عينيها علاقة الثورة بالثروة وتأثير الأخيرة على الأولى على مدى ما يسمى بالصراع الصهيوني العربي، ومفهومي التحرير والإستقلال بعيداً عن سلطة البترودولار.
لا شك أن أي محاولة لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة مرحب بها. وكانت توقعات أهل القطاع الصامد أن يقوم الأشقاء العرب بالمبادرة الفورية وعدم السماح بارتكاب هذه الجريمة باعتبارها جريمة حرب من حيث كونها عقابأً جماعيأً مورس من قبل إسرائيل والولايات المتحدة نتيجة للانتخابات الحرة التي أُجريت عام 2006 وأدت الى هزيمة مدوية لتيار أوسلو وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية التي خاضت الانتخابات. وكانت الثقافة السائدة لمدة تزيد عن 23 عاماُ، أي منذ توقيع الإتفاقية المذكورة، قد تميزت بفساد هائل مدعوم بأجهزة أمنية تم تدريبها للقيام بمهام جديدة تتعارض مع ثقافة المقاومة بمفهومها التحرري.
وتميزت الثقافة الأوسلوية، بالإضافة لما تم ذكره، بتنامي ثقافة الإستهلاك مصاحبة بقيمها الإجتماعية في محاولة لتحييد ثقافة المقاومة التي ميزت النضال الفلسطيني، وبالذات خلال الإنتفاضة الأولى من محاولة الإعتماد على الذات ومقاطعة منتجات الإحتلال. وكانت بلدة بيت ساحور قد قدمت نموذجاً إبداعياً في المقاومة الشعبية ورفضها للإنصياع لشروط الاحتلال والضرائب التي فرضها. كانت، إذاً، الانتفاضة، استمراراً للنضال الفلسطيني والقيم التي خلقتها المقاومة خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات وارتباط هذه القيم بروحٍ إنتاجيةٍ رافضة للإنصياع لعبودية الإستهلاك التي ميزت العديد من المجتمعات العربية، الخليجية منها بالذات، في فترة السبعينيات التي تميزت بطفرة في انتاج وسعر البترول. وكانت هذه الفترة قد ولدت ثقافة أُطلق عليها ثقافة البترودولار..!
وكانت العلاقة بين اليمين الفلسطيني العلماني، المهيمن على دفة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية منذ انطلاقتها، والأسر الحاكمة في دول الخليج العربي قد مرت بفترات مدٍ وجزر لا شك أنها تركت أثراُ واضحاً في سلوك اليمين السياسي والقيم التي كان قد تأسس عليها ودافع عنها ببسالةٍ واستماتة من تحرير كامل التراب الفلسطيني والدفاع عن دولة ديمقراطية لجميع سكانها بعد عودة اللاجئين انتهاءاُ بالقبول بدويلة|بانتوستان على 22% من أرض فلسطين التاريخية. وكانت قد صدرت أكثر من مبادرة خليجية، سعودية بالذات، تدفع باتجاه تنازلات قبلت بها القيادة الفلسطينية، آخرها مبادرة العاهل السعودي (2002) التي أُطلق عليها إسم مبادرة السلام العربية والتي تهدف لإقامة دولة فلسطينية على حدود 67 مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع إسرائيل..!
وهنا لا يمكن للمراقب إلا أن يلاحظ خطاً واضحاً بين التدهور السياسي لبرنامج اليمين الفلسطيني، وبالتالي ممارسات منظمة التحرير، والضغوط التي تمارس عليه بمشاركة يمينية عربية تزعمتها لفترةٍ طويلة المملكة السعودية، بالإضافة لنظام مبارك واضح الولاء للمصالح الأمريكية والإسرائيلية. وهكذا فإنه لا غرابة، إذاً، بعد تطويع حركة التحرر الوطني الفلسطيني وتهميش نهجها التحرري من خلال تصغير أهدافها الى إقامة دويلة على حساب حق العودة والمساواة الكاملة، وتهميش منظمة التحرير لصالح سلطة حكم ذاتي محدودة السلطة، أن يتم توجيه الإنتباه الى نتائج انتخابات 2006 (غير المتوقعة!) فكما أسلفنا، كانت نتائج هذه الإنتخابات صفعة لهذا النهج وللأدوات التي إستُخدِمت لترويجه وللقيمِ المصاحبةِ له، تلك القيم التي كانت تهدف لتحييد المفاهيم الثورية للإنتفاضة الأولى وتحويلها إلى قيمٍ إستهلاكية كتلك السائدة في (مدن الملح!) المفارقة هنا أن غزة، على صعيد المثال، وهي أفقر بقاع الأرض، كانت قد صدَّقت أنها ستتحول الى (سنغافورة الشرق الأوسط) لتنافس دبي على اللقب..! الفارق أن الخليج يعتمد بشكل كبير إما على الطاقة أو الإيرادات النفطية التي مكنت مدنها من منافسة (سنغافورة) لفترة قد لا تطول. وفي هذا السياق يقول الكاتب الكبير عبد الرحمن منيف عن سبب تسميته روايته الشهيرة بمدن الملح:
قصدت بمدن الملح، المدن التي نشأت في برهة من الزمن بشكل غير طبيعي واستثنائي. بمعنى ليست نتيجة تراكم تاريخي طويل أدى إلى قيامها ونموها واتساعها، إنما هي عبارة عن نوع من الانفجارات نتيجة الثروة الطارئة. هذه الثروة، "النفط"، أدت إلى قيام مدن متضخمة أصبحت مثل بالونات يمكن أن تنفجر وأن تنتهي بمجرد أن يلمسها شيء حاد. الشيء ذاته ينطبق على الملح، فرغم أنه ضروري للحياة والإنسان والطبيعة وكل المخلوقات، فإن أي زيادة في كميته- أي "عندما تزيد الملوحة"- سواء في الأرض أو في المياه تصبح الحياة غير قابلة للاستمرار. هذا ما هو متوقع لمدن الملح التي أصبحت مدناً استثنائية بحجومها، بطبيعة علاقاتها، بتكوينها الداخلي الذي لا يتلاءم، وكأنها مدن اصطناعية مستعارة من أماكن أخرى. وكما قلت مرارًا، عندما يأتيها الماء أو عندما تنقطع عنها الكهرباء أو تواجه مصاعب حقيقية من نوع أو آخر سوف نكتشف أنّ هذه المدن هشة وغير قادرة على الاحتمال وليست مكاناً طبيعياً لقيام حاضرات أو حواضن حديثة تستطيع أن تستوعب البشر، وإن تغيرت طبيعة الحياة نحو الأفضل.
وبدلاً من النفط، إعتمدت القيادة الفلسطينية على المعونات الدولية والعربية، اي التسول، لبناء سنغافورة جديدة..! وتحولت القضية الى إحسانٍ مشروط. وتم تطويع العديد من فصائل المقاومة من خلال عملية أسلوة وأنجزة لعب البترودولار دوراً واضحاً فيها. وعند غياب الدعم واجهت مدن الضفة وغزة المصير المتوقع لمدن الملح..! فغزة لا يوجد فيها حتى كهرباء، و95% من مياهها غير صالحة للاستخدام الآدمي، وحسب تقرير للأونروا صدر حديثاً فإن غزة ستصبح عام 2020 مكاناً غير صالحٍ للمعيشة..!
وتأتي زيارة أمير قطر في هذا السياق. فبرغم التأكيدات المتكررة من قبل حكومة غزة وقيادات حركة "حماس" أن الدعم القطري (غير مشروط) و(غير سياسي!) لا يسع المرء إلا أن يتساءل عن الهدف من هذه (المنحة)؟ وهل يمكن اعتبار الزيارة كسراً للحصار؟ وهل لم يكن باستطاعة إسرائيل، على الرغم من التنديد اللفظي، منعها؟ وما هو الفرق بين الدور الذي لعبه البترودولار في تمييع القضية الفلسطينية، والهدف من هذه الزيارة؟ فحركة "فتح"، ومنظمة التحرير، كانت حركة مقاومة مارست حتى الكفاح المسلح لسنوات طويلة، وتم تطويعها بأدوات عدة منها البترودولار..! فهل تهدف قطر، التي سمحت للولايات المتحدة بإقامة أكبر قاعدة جوية في الخليج إستخدمت في حروب أمريكا على كل من افغانستان والعراق، الى دعم المقاومة أم تطويعها؟ وألا يرسخ هذا نفس مبدأ أوسلو من تركيز على المعونات والإحسان، حتى لو أنكرنا ذلك؟ إن ما منّت قطر به على قطاع غزة هو فتات من عائدات الغاز يساعد القطاع على الاستمرار على قيد الحياة، ولكنه لا يساهم في تحرير فلسطين حيث أن هذا يتطلب عزل اسرائيل عزلاً كاملاً كما حصل مع نظام الأبارتهيد. وفي حال عملت أي دولة عربية غنية في هذا الإتجاه، فإنه بالضرورة سيعني مواجهة مع الولايات المتحدة..! وهل كان من الممكن طلب دعمٍ شبيهٍ بما قُدِّم (لثوار) ليبيا من دعم مادي وعسكري؟ وهل نستطيع الطلب من الإمارة أن تقف موقفا مشابهاً لموقفها القوي ضد النظام السوري؟!
يقول الكاتب المصري عبد الحليم قنديل:
هل تعد زيارة أمير قطر الأخيرة لغزة نوعا من الانتصار وكسر الحصار ؟ أم أنها تبدو كذلك في الظاهر، وهي في حقيقة أمرها عملية 'خض ورج'، وصرف للنظر عن طريق المقاومة، ولفت للنظر إلى طريق المعونات، وتصوير الشعب الفلسطيني كجماعة بائسة تطلب الغوث الإنساني، وبغير وصل محسوس مع القضية الأصلية المتمثلة في استرداد الأرض والعرَض. وبالطبع، فإن كل جهد يدعم الشعب الفلسطيني مطلوب جدا، وباشتراط النية الخالصة في دعم الكفاح الفلسطيني، وهي النية التي لا تبدو متوافرة لدى أي نظام عربي، ولا لدى الجامعة العربية كلها...
ومن المفيد هنا التذكير بالدور التطبيعي الذي مارسته الإمارة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو و السماح لإسرائيل بفتح مكتبٍ تجاريِ في الدوحة، وإن كان قد أُغلق بعد الحرب على غزة. وكانت الإمارة الخليجية قد أثارت جدلاً هائلاً في افتتاح دورة الألعاب العربية 2011 حينما قامت بعرض خارطة فلسطين على أنها الضفة الغربية وقطاع غزة فقط..! كما أن الملف الذي قامت بتقديمه قطرلإستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2022 يتضمن فيديو يظهر فيه طفل اسرائيلى يقول: "يقولون ان المنتخب الاسرائيلي والمنتخب الفلسطيني سيذهبان الى كأس العالم، وبأنهما سيلعبان ضد بعضهما البعض، اسرائيل يجب أن تأتي لتشارك بفريقها.. وعلى العرب أيضا أن يأتوا، وحينها سيعرف أحدهم الآخر..!"
وكأننا لا نعرف اسرائيل..!!
هل سٌئل سمو الأمير عن أيٍ من هذه الأمور؟ أم أن الدعم المالي الذي سيقدمه يتطلب موقفاً براغماتياً جديداً-قديماً من حركات المقاومة؟! ومجرد طرح هكذا مواضيع، لا شك، يفسد الحفلة التي تم التحضير لها لعدة أشهر..!