2012-10-29

زكريا عزمي والخراف..!!


بقلم: جهاد حرب

(1) زكريا عزمي الظاهرة
زكريا عزمي؛ رئيس ديوان الرئيس المصري السابق، يشكل اليوم حالة رمزية في العالم العربي للتحكم في قنوات الاتصال ما بين الرئيس ومؤسسات الدولة من جهة، وفي تدفق المعلومات من جهة الثانية فهو من يقدم المعلومات للرئيس على طريقته فيحجب ما يشاء، ويُزّين ما يشاء، ويُرّغب بمن يشاء، ويُخوّف ممن يشاء.

أبدع الفلم السينمائي المصري "طباخ الريس"  في رسم صورة المتنفذين في مكتب الرئيس في محاولة منهم لحجب المعلومات الصحيحة من جهة، ولمنعه من التواصل مع المواطنين من جهة ثانية، وتخويف الرئيس بدواعي أمنية من جهة ثالثة، وحبهم بشهوة السلطة وسطوتها من جهة رابعة.

هذه الحالة التي يعرضها الفلم السينمائي تتيح لكبار موظفي "مكتب الرئيس" التحكم في الشؤون العامة باسم الرئيس ومكانته وهيبته و"شرعيته" دون وجود لأدوات المساءلة والمحاسبة السياسية؛ فهم يستمدون القوة والمنعة باعتبارهم يمثلون الرئيس غير المساءل سياسيا من قبل مؤسسات المساءلة السياسية "البرلمان" ، وأحيانا كثيرة يضربون بسيف "تعليمات" الرئيس، دون وجودها، فيتغولون على السياسيين "الوزراء والنواب ورؤساء الاحزاب" لتنفيذ مآربهم الشخصية باعتبارها رغبات الرئيس. 

وبذلك تصبح قلعة "مكتب الرئيس" مُحصنة مما يفقد المواطنين الحجية في المساءلة، وكل من يحاول ملامسة أفعالها يصبح كمن يقذف المُحْصَنَات. وتفتح باب جهنم عليه ليقذف بتهم جاهزة فإما أن يكون اخوانيا "عضوا في جماعة الاخوان المسلمين"، أو يساريا ثوريا يَجْرُ البلاد إلى الفوضى، أو مدفوعا من جهات أجنبية لتشويه صورة البلاد. هذه التهم يشابهها في بلادنا، لدى كبار المتنفذين، إما أن تكون حمساويا أو دحلانيا أو فياضيا أو ممولا من جهات أجنبية.

من سخرية القدر أنه عندما كتبت بداية هذا العام مهاجما سياسة رئيس الوزراء د. سلام فياض اعتبر مَنْ "جزء" في مكتبه أنني مُحرض من مكتب الرئيس أو أطرافه، فيما ضاق صدر مَنْ "جزء" في مكتب الرئيس فيما كتب من نقد حول "سلوكيات و/أو أفعال و/ أو قرارات" لمن هو دون الرئيس مكانة، ويتساءل بعضهم من هي الجهة الداعمة و/ أو الدافعة و/ أو الممولة. فيما غاب عن البعض أن بلادنا صغيرة لدرجة أننا نعرف "جميعا" بعضنا بعضا؛ فإن سألت عن أحد منا، سواء كان من أقصى الجنوب أو من أقصى الشمال، تأتيك أخباره في دقائق معدودة، لا تقدر عليها أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية، إلى سابع جد "يعني من قرميته" وما فعل في طفولته ومدرسته وحارته وسلوكياته هو وجميع عائلته البار منهم وغير البار "طبعا العاطل قبل المليح". 

لكن يبدو أن صدر الرئاسات التي بيدها السيف أوسع بكثير ممن هم يضربون بسيوفها؛ وذلك لسبب بسيط هو أن الرئاستين تعتبر شرعيتها مستمدة من "الشعب" وأنهم مساءلون أمامه فيما من هم دونهما يستمدون شرعيتهم من هما "و/ أو من مدى تملقهم لهما".
 
(2) الخراف والمسؤولون وعلم الاجتماع ودروس التاريخ
يعتقد بعض كبار المسؤولين أنهم قَدَرُ الشعب، وأنهم يستطيعون سوقه "كالخراف" لا تستطيع أيا منها الاعتراض أو الخروج "الحيد" عن القطيع، وإذا ما فعلت تُرجم بالحجارة أو تنهال عصا الراعي عليها لثنيها عن تمردها أو خروجها من باب الطاعة أو من مملكته. فيما يتعامل معها كأنها شكل واحد ذات طبائع واحدة لا يميز بينها كأن هَمُها فقط الماء والكلأ.

هؤلاء المسؤولون نسوا أن لدى المواطنين قدرة هائلة على الاحتمال والصبر؛ "في تونس تحملوا 23 عاما، وفي مصر ثلاثين عاما، أما في سوريا وليبيا أربعين عاما أو يزيد"، وأن الشعوب لديها أيضا طاقة انفجار حين يأتي وقتها قد تكون أكبر بكثير من الاستيعاب. ويبدو أن هؤلاء المسؤوليين لم يتعلموا أيضا قواعد المنهج لعالم الاجتماع "أميل دوركايم" في الدراسة العلمية للظواهر الاجتماعية، وأن ما يحدث في الوطن العربي لا يعني أحدا من هؤلاء المسؤوليين، وقد غاب عنهم أن "نظرية" قطيع الخراف لم تعد قائمة اليوم.

لم يتعلم البعض من دروس التاريخ القديم أو الحديث والحاضر، ولا من نظريات علم الاجتماع التي تشير إلى أن أي حاكم "و/ أو مجموعة" مهما بلغت قوته وجبروته يبقى ضعيفا دون الشرعية الشعبية. ودون توفر الكرامة الإنسانية والحرية، تبقى البلاد على صفيح بركان قابل للانفجار طبعا في اللحظة التاريخية المواتية؛ فعلى رأي الماركسيين القدماء "فإن التراكم الكمي حتما يؤدي إلى تحول نوعي". 

ملاحظة: أنشر مقالي اليوم بدلا من يوم الجمعة؛ وذلك تحسبا لأي طارئ بسبب مثولي أمام النيابة العامة صباح يوم الاربعاء الموافق 31/10/2012 بتهمة القدح والذم والتشهير والمس بهيبة الدولة التي رفعتها الرئاسة الفلسطينية، أو كما علمت من قبل رئيس ديوان الرئاسة.

* كاتب فلسطيني. - jehadod@yahoo.com