2012-10-24

هــل حقـــاً المصالحــة فــــي أجنــدتـكــم؟!


بقلم: رمزي صادق شاهين

أتذكر اليوم مواقف لرجال رحلوا عنا، فهم في دار الحق ونحن في دار النفاق والكذب والخداع، هم في جنات الخلد عند ربهم يرزقون، ونحن نلهث وراء السراب، نلهث وراء التضليل ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية وضياعها على يد أشقاء لنا في العروبة، مع شكي في عروبتهم، لن تصرفاتهم تدل على تصرفات بني صهيون، الذين يمكرون ولسانهم يتحدث بالفضيلة.

لم يعرف أحد من جيلنا الشهيد ياسر عرفات، قبل عودة السلطة الوطنية الفلسطينية، هذا الرجل الأسطورة الذي دفع حياته من أجل أن نحيا بكرامة وعزة، لأجل أن نحيا مرفوعين الرأس لا نبيع المواقف ولا نتاجر بثوابتنا وحقوقنا ووحدتنا، فقد كان محارباً شرساً من أجل الإبقاء على استقلالية القرار الفلسطيني، هذا القرار الذي تعرض لعدة محاولات للشق، سواءاً من النظام السوري المجرم، أو من أنظمة ودول عديدة كلها كانت تؤدي أدوار لخدمة إسرائيل التي سعت منذ اللحظة الأولى لشطب الشرعية الفلسطينية.

عرفنا أبو عمار عن قرب بعد العام 1994، حين كانت السلطة الوطنية تتعرض للعديد من الضغوط السياسية والمالية، من أجل الإبتزاز وانتزاع المواقف التي لا تتلاءم وقضيتنا الوطنية المشروعة، لكنه قال     (لا) وبصوت عالي، قالها هناك في قلب الولايات المتحدة، وقالها حين تحاصر وحاول البعض مساومته على التنازل وبيع فلسطين، فقال كلمته أننا نموت واقفين كالشجار ولا نركع إلا لله.

اليوم نحن بحاجة لقادة يقولون عن الحق حق وعن الباطل باطل، كما كان الشهيد الشيخ الجليل أحمد ياسين، الذي كان يؤمن بأن فلسطين هي البوصلة الأولى والأخيرة، وأن الوحدة الوطنية هي السبيل الوحيد للوصول إلى ثوابتنا الوطنية المشروعة، ضمن مقاومة وطنية وبرامج سياسية مبنية على استقلالية القرار الفلسطيني بعيداً عن تبعية المصالح والأجندات، هذا القائد الذي فهم أبو عمار وسياسته، عندما كان يتعرض للضغط السياسي، ومطلوب منه اعتقال قادة من "حماس"، فكان أبو عمار ذات حكمة في هذا الأمر وكان الشيخ أحمد ياسين خير الرجال الذين يقدرون الموقف.

نحن اليوم نبكي على زمن هؤلاء القادة الرجال، لأننا أصبحنا عبارة عن أشخاص تائهين في صحراء السياسة، الكل يتلاعب بنا من أجل مصالحه، والقضية الفلسطينية هي بالتأكيد آخر تطلعاتهم، فمن يساعد الولايات المتحدة على ضرب واحتلال دولة عربية، ومن يقيم علاقات علنية ويستقبل قادة إسرائيل في بيته، لا يمكن أن يكون مؤتمن على القدس وفلسطين.

ما أحوجنا إلى المصالحة الوطنية، مصالحة مع الذات، حتى نخرج من عنق الزجاجة، حيث وضعنا أنفسنا، وفهمنا الأمور على عكسها، وتمردنا على فلسطينيتنا من أجل مصالح إقليمية وعربية هي بالنهاية تخدم توجهاتها ومصالحها، وهذا على حساب قضيتنا الوطنية ودماء شهدائنا، وحتى لو كانت هناك مؤشرات لدعم هنا أو هناك فالثمن سيكون بالتأكيد باهظ.

جميعنا يتحدث عن المصالحة، وبعض الدول أصبحت تتاجر بالمصالحة حتى تسجل مواقف سياسية ولتنفيذ أجندة مُعينة، لكنها في حقيقة الأمر بعيدة كُل البعد عن أجندة السياسيين من حركتي "فتح" و"حماس"، لأن المصالحة الوطنية لا تحتاج إلى كُل هذه التعقيدات، ونحن نرى ما وصل له شعبنا وشبابنا وقضيتنا نتيجة حالة الانقسام الداخلي، فقد أصبحت قضيتنا ألعوبة في يد بعض الدويلات، وأصبح شعبنا يعاني من الأمراض المزمنة حتى أنه فقد الثقة في كُل شيء بهذا الوطن.

آن الأوان يا سادة أن تعترفوا بأنكم لا تريدون مصالحة، فالكل مرتاح بقيادته لجزء من الوطن، والكل متمسك بشروطه على حساب المصالح الوطنية والشعبية، والكُل يُريد الصراع على سلطة هي في الأصل تحت رحمة الاحتلال، هذا الاحتلال الذي يُريدكم فرقاء مشتتين، ولا يُريدكم موحدين لتُطالبوا بحقوقكم وأقصاكم وأرضكم التي تتعرض للنهب والسرقة والتهويد.

* كاتب وإعلامي فلسطيني- غزة. - ramzi.s.shaheen@gmail.com