2012-10-21

هرطقة في زمن الانقسام..!!


بقلم: عطا مناع

يجتاحه القلق، فحالة لا يختلف عن الذين اتخذوا من الليل رفيقاً، ففي الليل يستطيع أن يحدث نفسه دون رقيب، فهو يعيش في بلد الطغم والحكم البوليسي وللحيطان آذان والوطن أدار له الظهر فضاع بين الثورة والدولة وفقد القدرة على التحكم بالأشياء.
  
 يدخن السيجارة تلو الأخرى ويستجدي الليل أن يبقى هرباً من ضجيج النهار والصداع النصفي الذي يسببه له زمنه، ويتذكر الأيام الخوالي وأولاد البلد الطيبين وأبي النحس المتشائل وحنظلة الصغير الذي واجه العالم ببنطلونه المرقع.

عواء كلب وتحركات لجيش الاحتلال وبعض الفتيان يتراكضون في شوارع المخيم تركتهم الثورة لقمة لبطش عدو الأمس، يتقدم صوت العواء ووقع البساطير وفحيح الصمت الذي يجتاح أعماقه كنذير شؤم لمتكرش أنهى ليله حمراء بصحبة عاهرة.

هي جدلية الليل والبسطار والعاهر التي تربض على صدره المثقل بوجع الفكر الكاذب والعواء والحنين للماضي والمفتاح "وفدائي" مهمته الاخصاء الوطني للحفاظ على امتيازاته، ويحاول صاحب الليل البحث عن أسباب استفحال فلسفة الاخصاء الفكري دون جدوى.

عواء الكلاب يقترب يرافقه وقع البساطير ولهاث الفتيان وقنبلة صوت ورشقات من الحجارة، لماذا المخيم؟ يقفز السؤال ليبدد الترقب المسيطر على المشهد.. هل أصبح المخيم حقل تدريب لعدو "الأمس"؟ ماذا يعني أن يكون هناك اتفاقيات سلام؟ آلا تشمل هذه الاتفاقيات المخيم؟ يطرح أسئلة غبية يعرف أجابتها مسبقاً، لكنه يحاول أن يفهم لماذا التنسق الأمني في ظل عمليات البطش والقتل والتجويع؟ تقفز كلمات صاحب عائد إلى حيفا لتعيد له رشده: الإنسان قضية، صوت تردد في أعماقه نعم الإنسان قضية.

يبتسم رغم العواء والبساطير ويتذكر الحاكم بأمر الله في غزة والإنسان الذي كان قضية، ويتخيل حال الطفل الذي ما عاد بمقدوره شراء البطاطا المقرمشه "الشبس" لان الجماعة فرضوا الضرائب على الشعب بعد إغلاق الأنفاق، الدجاجة التي كانت تبيض لهم ذهباً، وغابت الابتسامة عندما تذكر من ضرب حتى الموت واتهم بأنه شنق نفسه، وكأن حالة من الهستيريا الفكرية طغت عليه لتتحرك عضلات وجهه بشكل لاإرادي متجاوزا أدب الحوار مع الذات معلنا كفره بالثورة والدولة والحاكم بأمر الله ومؤكداً انحيازه لطفل قتلته شمعة.
 
غاب صوت البساطير وبقي العواء وضحكات الفتيان، لقد فشلوا مرة أخرى ورحلوا بخفي حنين، تنفس الصعداء وحمد اللة على النتيجة وتذكر ذلك" الفدائي" الذي يستشيط غضباً على الفتيان ويحلو له أن يردد جملته المشهورة للبلد سلطة واحدة لا سلطتان في إشارة إلى الفتيان الذين لا زالوا يحملون مفتاح كرامتنا ويستحضرون بين الحين والآخر بعضاً من تاريخنا الذي يزعج "الفدائي" صاحب فلسفة الاخصاء الفكري.

من جديد يسود الهدوء المصاحب بتباشير الفجر العادي وترنيمة ديك اعتاد أن يصدح بصوته بحكم العادة، ومن جديد اجتاحته مشاعر الغضب الممزوج بالذل والإحباط.. عيد الأضحى على الأبواب والحالة التعبانة، ورغبة جامحة تسري في جسده بان تتوقف عجلة الزمن، فلم يعد يطيق أن يصبح كما البغل الذي يدور في ساقية باشاوات المرحلة، هيهات أن يتوقف الزمن ويتخلص من التعب الذي رسم على جبهته خيوطاً من حنين.

صوت الأذان ادخل لنفسه بعض السكينة بالرغم من تداخل سماعات المساجد، وضع رأسه على المخدة مستجدياً لحظات من السكينة، لماذا هذا القلق الذي يشبه أيام الزنزانة حيث كان لا ينام؟ لكن الفرق شاسع بين زنزانة الأمس وزنزانة اليوم، لقد كان سجين الاحتلال حيث الشبح والكيس ذو الرائحة الكريهة والقيود وحمام المياه المثلجة.. الآن هو سجين نفسه لا هدف ولا مقارنة، هو سجين الانقسام والديمقراطية الكذابة وأيدلوجيا بلون الليلك.

لم يأتيه النوم، قال كلمة وسخة ونهض بتثاقل عسى أن يجد ضالته في فنجان قهوة مع ما أدمن عليه من أخبار اليوم الجديد محاولاً إقناع نفسه بإمكانية خير جديد مع في يوم كما باقي الأيام.

خاب ظنه مرة أخرى، لقد جاءت أخبار اليوم كما الأمس، قصف على غزة وسقوط شهداء، "حماس" تفرض ضرائب جديدة على قطاع غزة، فياض يعد بدولة المؤسسات ونصف الراتب، والمالكي يعلن بداية معركة التحرير من الأمم المتحدة، والمستوطنون يحرقون الزيتون ويعتدون على المزارعين، وجيش الاحتلال يعتقل العشرات من الفلسطينيين ومن بينهم الطفل المقدسي عودة الذي لم يتجاوز عمرة الثانية عشرة عاماً، والأقصى يتعرض لتدنيس جديد من المستوطنين، والشيخة موزه ستزور غزة. 

نظر في الأفق بعيون متعبة، تمعن في سماءها وجمالية المشهد، نسمة هواء جاءت من مكان بعيد ممزوجة بعبق الماضي الذي يبشر بالقادم وصدى صوت آصاله نصري يتردد في أرجاء المخيم: أيها المارون ما بين الكلمات العابرة.

* كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مخيم الدهيشة- بيت لحم. - atamanaa@gmail.com