2012-10-20

على منعطفٍ خَطِرٍ في حقلِ ألغام..!!


بقلم: آصف قزموز

قيل مؤخراً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كان قد رفع تقريراً إلى الأمم المتحدة، شرح فيه أن الشعب الفلسطيني شعب مسالم ويحب السلام وينبذ العنف، والشعب الإسرائيلي كذلك يحب السلام، وهو صادق في نواياه تجاه السلام، لكن المشكلة تكمن في الرئيس أبو مازن والسلطة الفلسطينية، لأنهم فاسدين وسبباً في الأزمة التي يعيشها شعبهم، على حد زعمه. جاء ذلك على خلفية تسويق التسهيلات التي قدمها الجانب الاسرائيلي للمواطنين الفلسطينيين خلال أيام عيد الفطر السعيد وتقييمهم للأجواء التي سادت ورافقت دخول آلاف المواطنين الفلسطينيين بتصاريح زيارة لأقاربهم وذويهم داخل الخط الأخضر، عشية انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة استباقية متعمدة للتحريض على السلطة والرئيس أبو مازن، الذاهب إلى الأمم المتحدة يطلب حقاً وَجَبَا، يتمثَّل في ارتقاء فلسطين الى صفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة.

ومع كل هذا، نجح الرئيس من جانبه، في تقديم خطاب سياسي وديبلوماسي متوازن وعاقل وواضح كعادته دائماً، لا بل ونجح في عبور آمن لما يشبه حقل ألغامٍ وكمائن سياسية، دون أن يَنْجَرَّ أو يتأثر بكل التحرشات والاستفزازات الاسرائيلية، التي افتعلها وارتكبها ليبرمان وجوقته من المتطرفين ودعاة العنصرية في اسرائيل، ودون أن يخضع لمؤثرات سياسة الاستخفاف واللامبالاة التي تنتهجها حكومة نتيناهو، الهارب الدائم من أي التزامات أو استحقاقات تجاه عملية السلام مع الفلسطينيين وفي الشرق الأوسط عموماً، والتي تبدَّت من خلال خطابه المعاكس لخطابنا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالتالي هو يتباكى على المفاوضات كعادته ويحمل القيادة الفلسطينية مسؤولية فشلها، لأن ما يريده نتنياهو في الحقيقة، هو مفاوضات يفرض من خلالها وجهة النظر الليبرمانية النتنياهوية الإسرائيلية العمياء، المانعة أبداً للحقوق الفلسطينية، والحائلة دوماً دون قيام الدولة الفلسطينية بالمعنى الشرعي القانوني والفعلي للدولة، تماماً مثلما استمرأ في ذات الوقت وعلى مَرّ المراحل، التباكي على حال الشعب الفلسطيني والسكين في يد ومعول الهدم باليد الأخرى، ثم يتهم الرئيس والسلطة ويتلو عليهم فتاوى ونظريات في السلام والقيم والأخلاق الانسانية الحميدة !! لكن كل هذا، لا يجب أن يلغي أو يُغيّب الحقيقة المرة المفروض اجتراعها من قبلنا، والقائلة بأنه لا حل سياسي لقضيتنا إلا بما نتوافق عليه مع الإسرائيليين أولاً وقبل غيرهم، ذلك لأن مواقف باقي أطراف ومكونات الإحتلال الأخرى لن تكون إلاَّ تحصيلاً حاصلاً وتابعاً لما يقبل به الإسرائيليون أولاً ليسَ إلاَّ.

من هنا، وعلى الرغم من اختلاف وتخالف منابت ومشارب وحسابات المنتقدين للخطاب الفلسطيني، سواء كان النقد من قُدُمٍ أو من دُبُرٍ أومن جِلبابْ ، ها هو الرئيس يسدد من جديد نحو الهدف ويلقي بالكرة مجدداً ليس في ملعب نتنياهو ليبرمان وحسب وانما في ملعب المجتمع الدولي والأمم المتحدة، حين أعلن أمام حشدٍ من أعضاء الكنيست الإسرائيلي من أحزاب "العمل"و"الليكود" و"وميرتس" و"كاديما" وشخصيات سياسية واعلامية،وجنرالات ورؤساء بلديات اسرائيليين، قائلاً" أن الفلسطينيين سيعودون للمفاوضات مع اسرائيل بعد نيل عضوية دولة فلسطين بصفة مراقب في الأمم المتحدة" ، مع أنني شخصياًّ كنت مراهناً منذ البداية على إطلاق مفاجأة فلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، يعلن من خلالها الرئيس، العودة لطاولة المفاوضات من خلال المجتمع الدولي ومن على منصة الجمعية العامة، بالتلازم مع تقديم طلبنا المشروع لصفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة، لأني كنت أرى في ذلك فرصة ثمينة وسانحة لهبوط سياسي آمن على المهبط الدولي في الجمعية العامة. 

إن اعلان الرئيس هذا يشكل اليوم علامة بارزة في المسار السياسي الفلسطيني مع اسرائيل والمجتمع الدولي، بكل ما يعكسه هذا الموقف من السدادة والحصافة والحكمة، رغم صعوبة الظروف وتعقيدات المرحلة. يعني بصراحة "ضربة معلم". سيما وأنه قد ترافق مع إعلان موعد الانتخابات الاسرائيلية التي أرى في نتائجها مسبقاً دخول اسرائيل مرحلة ربيعٍ مماثلٍ للذي يجري عند العرب وإن بأحكامٍ خاصة، ولكن وفقاً للمقاسات المطلوبة التي تعزز استمرار وجودها واستقرارها وأمنها الذي لم يعد مفصولاً ولا مستقلاً عن أمن واستقرار الآخرين، لا بل ويعتمد عليهم. 

صحيح أن اسرائيل لم تنجح على امتداد تاريخ الصراع معها، أن تتدخل في تثبيت قيادات أو أزلام لها في التركيب القيادي الفلسطيني، بصرف النظر عن روابط القرى والمخاتير الذين تهاووا تباعاً بزوال مسببات وأسباب ومقومات وجودهم، وخرجوا من الجسم الفلسطيني خروج الأسبرين مع البول، لكنهم ينجحون اليوم في زجنا باحتجاجات واضرابات داخلية ضد السلطة والحكومة في قضايا لا علاقة للسلطة بها بقدر ما هي أصلاً تستهدف السلطة والشعب معاً، بدلاً من أن تتحد وتتراصف كل فئات الشعب في وجه محاصرينا المتسببين بما نحن فيه، مثلما نجحوا في أكثر من مرة في دفع الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير، لولوج المسارب والمراحل، التي كانو يرسموها شراكاً متعمدة لنا، وينفذونها بدعم دولي وتسهيلات عربية رسمية غير معلنة، واستمر الحال حتى يومنا هذا وعتبات هذا الولوج الخطير في المرحلة الراهنة. وهذا بحد ذاته شكل على الدوام، علامة فارقة في مسار النضال الوطني الفلسطيني، وفي اختلاف أشكاله وتبلوراته وتجلياته واتجاهاته، التي أخذت منحاً معاصراً للتحول الدولي الجديد، ومتغيرات معالم واحداثيات خارطة المنطقة الجاري رسمها، والتي طرأت بتغييب نُظُم وحكام ودول عن هذه الخريطة، وإحلال أخرى محلها أكثر استعداداً واستجابة وأقرب حبلاً وتساوقاً من سالفيها.

إن ثنائي نتنياهو ليبرمان، يسعى اليوم لإعادة ذات الأجواء التي سادت عشية حربهم على الرئيس الشهيد أبو عمار وخلاصهم من مرحلة كاملة حمل لوائها عرفات على مرِّ السنين، فها هم يدخلوننا اليوم في حلقة جديدة من مسلسل السلام، الممنوع بهم ومنهم واليهم ، ويضاهي في طول الطريق اليه استطالة مسلسل مكسيكي أو قصة إبريق الزيتْ، ومكشوف بافتضاحٍ بالغ، يفوق انكشاف حبٍ أو حَبَلْ أو صعودٍ على جبلْ. وها هم يطلقون تهديداتهم، ويمعنون في تهبيط الحيطان على الرئيس أبومازن، وينذرون بالويل وسواد الليل والثبور وعظائم الأمور، لأوروبا ولكل من تسول له نفسه دعم الفلسطينيين في مسعاهم لطلب صفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة. وكل هذا يجري بحسبانْ، وصمت القبورِ من العُرْبانْ، ودعم سَخِيٍّ من الأمريكانْ، وشراكة إفكٍ وبُهتانْ جَمعت حِمْسانَ مع الإخوانْ، وذوي الكُروشِ من أمراء الحربِ والقِطَطِ السِّمانْ، وهو ما لم يشفعه منطق إنسٍ ولا جانْ، ولا يتفق مع حديثٍ أو سُنَّةٍ ولا قرآنْ !! فإذا كان الخصوم والمنقلبون، قد اصطفوا اليوم في جوقةٍ عرجاء ولحنٍ رديء، على بوابات ليبرمان نتنياهو في وجه الرئيس أبومازن، بهدف الدفع به نحو ما لا تحمد عُقباه، فإن على منظمة التحرير بأطرافها ومتنها وبشخوصها وأفرادها، وعلى الأحزاب والفصائلِ من سنديانٍ ونخيلٍ وفسائلْ، والعارفين بقيرِ القراقيرِ وكل المسائلْ، أن يسارعوا للانخراط في صف المواجة والتحدي تنظيمياً وسياسياً وديبلوماسياً وجماهيرياً، دفاعاً عن الرئيسِ والشعب والقضية، ضد الأعداء والخصوم من المتساوقين الذاهبين في خط ليبرمان نتنياهو السريع، غطساً حتى الأذنينْ، من حيث يدرون أو لا يدرونْ، ولا أخالهم جاهلون بما يفعلونْ. فالدفاع عن الرئيس في هذه اللحظة، يشكل دفاعاً عن شعب وقضية لا قضية شخصٍ أو فردٍ بعينه، لأن استهدافه لا يعود لأسباب شخصية.

نحن اليوم أحوج ما نكون للذود عن رئيسنا، وعن مشروعنا المهدَّد اسرائيلياً بتغيير معالمه وسقوفه وحدوده ومحدداته وشخوصه وملامحه وعنوانه أيضاً، عبر استفادة النتنياهوية الليبرمانية من اندفاعة حركة "حماس" واندلاقها نحو إقامة سلطتها الخاصة بها في شرنقة دولة أشبه بالمشيَخَة ذات حدود مؤقتة في غزة، وهذا ما حلم به شارون قبلهم قُبَيْلَ صمته الأبدي، وسعى اليه خلفه الطالح، الماثل أمامنا من أمثال نتنياهو وليبرمانْ، رموز العنصرية وأعداء السلام والحرية، فعززهم في ذلك الأمريكانْ، عبر صعود مخلب القط حلفائهم الإخوانْ، الذين دفعوا بمشروع حماس بعيدين عن أي عدلٍ ولا إحسانْ. فأغلقوا الأنفاق كعربون محبة لحكومة نتنياهو المهيوبَة، وفتحوا الأبواب على أحضان سيناء ومصر العروبَة، التي ترعى حماس ببزتها المقلوبَة، ومشروع دولتها بتوسعاتها المطلوبَة. في عمق الصحراء المصريَّة، وما يضمن المسارات الغَزيَّة.

ولعمري إني لأعجب لمن يحرضون الشارع ويثيرون الإضرابات والاحتجاجات في وجه السلطة الوطنية والحكومة، المحاصرين حصاراً مالياً محكماً ثلاثي الأطراف، عربياً ودولياً واسرائيلياً، مع أن الموقف الصح هو التراصف مع الحكومة، والاصطفاف صفاً واحداً قيادة وشعباً، للاحتجاج ضد الذين يقفون وراء هذا الحصار المالي، الذي يحاصر السلطة والحكومة والشعب برمته بهدف ابتزازنا سياسياً، وثَنيِ شعبنا عن حقه في مقعد دولة غير عضو في الأمم المتحدة. فعنوان هذا الحصار واضح للذي يريد أن يرى وضوح أحجية "سود عينيها طْوال ذينيها عنزه الله لا يْدِلَّك عليها".

نعم، ما زلت أعتقد بإمكانية عرض مبادرة فلسطينية تربط الدعم والتوافق الدولي على طلبنا لمقعد دولة غير عضو في الأمم المتحدة، بالتلازم مع اعلان العودة للمفاوضات تحت سمع وبصر الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي ستنظر وتقرر في أمرنا كدولة تحت الاحتلال. وهذا سيمكننا من افساد خطط وقرارات نتنياهو الاستباقية، التي اتخذها مؤخراً لضم الأراضي الفلسطينية بهدف منع حل الدولتين، وإحباط المحاولة الفلسطينية في الحصول على مقعد دولة غير عضو.

لكن وفي كل الأحوال، حَذاري حذاري من دعاة العنتريات والعنف والتوتيرْ ، المنادين رئائاً وتوريطاً بمواقف نارية وانتفاضات جديدة في هذا المنعطف الخطيرْ، إذ ليس من حق المتحارصين الذين يتلطون خلف شعارات ومواقف ودعوات مزايدة لا نقو على رفعها، ولا على كلفتها التي تقطر منا في كل مرة دماً وشهداء ومعتقلين، ولم تخدم سوى أهداف الخصوم وأعداء حريتنا، الذين هدفوا دوماً لإعادتنا القهقرى نحو المربع الذي يرسموه وينصبوه لنا شَرَكا، ذلك لأننا نعبر اليوم هذه المرحلة المعقدة من تاريخ شعبنا، ونحن نمشي الى فلسطين على رموشنا وحَدِّ السَّيف وشفير الهاوِيَة، مهدَّدين بِفِعالِ من الأعداء وهؤلاءِ من كل حَدْبٍ وصَوْبٍ وزاوِيَة، فلا هم أهلٌ لدَعوةِ نادِيَة، ولا حملٌ لملاقات الزبانِيَة، بل يدَّعون ثَوْرَجَةً ورؤوساً حامِيَة، مع أن مُر الحقائقِ لم تكن يوماً عنهُم بخافِيَة، وإلاَّ سَنَحُطُّ جميعنا في أتون الغاشِيَة، ومصير مظلمٍ في حضيض الهاويَة. ولنتذكر جميعاً أن فلسطين وشعبها ليسو خارج التاريخ ولا الكوكب ولا خارج خارطة المنطقة ومصالحها ولا المعادلة. وكل شيء يجري لمستقرات له وبحسبانْ. حتى وإن كره نتنياهو وليبرمانْ.

* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله. - asefsaeed@yahoo.com