2012-10-16

ماذا يسعد اهل غزة؟!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

أهل غزة وهم جزء اصيل من كل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج قانعون وراضون بما أراده وقدره الله لهم، ويتحملون كل أنواع المعاناة الحياتية، واقساها صعوبة الحياة، والتصعيد العسكري الإسرئيلي الدائم عليهم، والذي يفقدهم نعمة الآمان والحياة. وهذا الشعب كما كل الشعب الفلسطيني لم يتوانى، ولم يتردد في أي لحظة في تقديم ارواحهم ثمنا لإنهاء الإحتلال الذي خيم على حياتهم وحجب عنهم روح الحياة على مدار سنوات طويلة.

وأتذكر أن هذا الشعب قد شعر بالفرحة مرتين وفي مناسبتين وطنيتين كبيرتين، المناسبة الأولى يوم عودة الرئيس الراحل عرفات ومعه زمرة من القيادات، وعدد لا بأس به من عناصر الجيش الفلسطيني واسرهم الذين لم يصدقوا أن اقدامهم قد وطات أرض الوطن، في تلك المناسبة خرج كل أبناء القطاع لم يبقى أحد في بيته معبرين مهللين بقدوم أخوانهم الذي هو أشبه بقدوم المهاجرين إلى المدينة ليستقبلهم أهلها من الأنصار ويفتحون لهم بيوتهم، ويقاسمونهم السكن والمعيشة، واتذكر كيف كان اهل غزة يحملون ما يملكونه من أثاث وعتاد ويقدمونه لمكاتب السلطة، وما يحملونه من ملابس وغيرها من قوت حياتهم، إلى أن وقفت السلطة على أقدامها قوية لتدير ظهرها لهذا الشعب، ويبقى اهل غزة رغم ذلك مخلصين موالين لسلطتهم ورئيسهم رحمه الله.

واتذكر من مظاهر هذه الفرحة التي أرى من الضروري التذكير بها كيف كانت قوافل العائلات الفلسطينية تتدفق على مقر الرئيس عرفات، وكيف كان أبنائها يتغنون بالولاء والمحبة لرئيسهم حبا وليس خوفا.

والمناسبة الوطنية الثانية التي قد اسعدت اهل غزة يوم انسحاب القوات الإسرائيلية، والتخلص من الحواجز المذلة وأكثرها إذلالا حاجز أبو هولي الذي كان ابناء القطاع يقفون لساعات طوال لإجتيازه لشمل أسرهم، أتذكر يومها كيف خرج اهل القطاع يسيرون على أرجلهم في كل المستوطنات غير مصدقين أعينهم أنهم بلا جيش إسرائيلي، وأتذكر انني كنت أجتاز حاجز أبوهولي أكثر من مرة لأثبت لنفسي أنه لم يبقى جنديا واحدا. واتذكر الإحتفال الكبير الذي تم على الأرض الفلسطينية التي أقيمت عليها المستوطنات، ووقتها حضر الرئيس عباس وقبل الأرض واعدا بالخير لأهل القطاع. وقتها إستبشر الناس خيرا كثيرا، وبنوا احلاما في الهواء، وتوقعوا أن الخير الكبير الذي كان يجنيه المستوطنون سيعود إليهم، وعلى أبنائم بالعمل، والسكن الكريم. هذه الفرحة والتي عبر عنها أهل غزة في المشاركة في الإنتخابات، وإختيار الرئيس عباس رئيسا، وإختيار حركة "حماس" في السلطة التشريعية، وقد كان الشعب محقا في إختياره، لأنه كان يريد نظاما سياسيا توافقيا الكل يشارك في بنائه وتعميره.

هذه الفرحة سرعان ما تبخرت وتحولت إلى حزن عميق مزق هذا الشعب وحوله إلى قوى متصارعة ومتناحرة، ومتقاتلة في أحيان كثيرة، وذلك مع بداية الصراع على الحكم والسلطة بين حركتى "فتح" و"حماس"، والذى إنتهى بسيطرة "حماس" الكاملة على قطاع غزة، ليجد الشعب الفلسطيني في غزة نفسه في دائرة مفرغة من الحقد والكراهية، والملاحقة اليومية لأبنائه، ولا أحد يتذكر ماذا قدم هذا الشعب من تضحيات. وتفرق أبناء الأسرة الواحدة، واستعدى الأخ أخاه، وتبددت الألفة والتعاضد الإجتماعي بعد أن كانت غزة أسرة واحدة، وبدأت معاناة هذا الشعب من جديد مع الحصار البغيض الذي فرض عليه عقابا على سيطرة "حماس" على الحكم والسلطة، وبدأت المعاناة مع معبر رفح حيث عانى كل المواطنين أشكال الإنتظار والفراق لعدم قدرتهم على السفر والإنتظار أياما طويلة حتى يفتح ليوم أو يومين.

وكانت المعاناة الكبرى، والتضحية الأكبر، والصمود والتضحية بحياة أبنائه مع الحرب التي شنتها إسرائيل على القطاع عام 2008 لتدمر الأرض والسكن، وتقتلع الشجر، ليجد الشعب نفسه من جديد في معاناة  أخرى كبيرة. ورغم كل ذلك رضى هذا الشعب، وقبل بحكم "حماس" على أمل ان يأتي يوم تتم فيه المصالحة، وبدأ هذا الشعب يلملم انفاسه ويعيد ما تم تدميره، ووقف ينتظر المساعدات والهبات والمنح، ووقف ينتظر قوافل المساعدات الإنسانية لعلها تساهم في تخفيف جزء من معاناة طويلة.

وبات هذا الشعب يفرح ويسعد لأبسط الأمور حتى لموكب فرح بسيط يمر أمامه، يريد إن يفرح، يريد إن يلقى بحزنه للوراء. إلى أن جاء الوعد من السيد إسماعيل هنية رئيس الحكومة الفلسطينية في غزة والذي بشرهم بفرحة كبيرة خلال أيام، وبدأ التساؤل والتنبؤ والتوقعات ما هي هذه الأخبار السارة؟ وهذا السؤال بدأ يتناقله أهل القطاع. وهو السؤال الذي سألني العديد من المواطنيين ماذا تتوقع أن تكون هذه الأخبار؟ وكانت إجابتي ببساطة أن ما يسعد اهل غزة أمر واحد وهو كما بدأ الإنقسام من غزة، أن تبدأ المصالحة من غزة أيضا، وان تكون هناك مبادرة قوية في هذا الإتجاه، لأنها السعادة الحقييقية التي تعيد الوحدة للشعب الفلسطيني وقضيته، فغزة لا تملك أي شيء إلا أن تبادر للمصالحة. وأرجو أن أكون محقا في ذلك، وقد يبقى ذلك حلما فمن حقي ومن حق كل مواطن في غزة أن يحلم بيوم المصالحة، يوم الفرحة الكبرى، فنحن نعيش اياما مفترجة، وأيام عيد، لقد كنا زمان نفرح بالعيد، وبافراحنا، لكن مع الإنقسام لا فرحة، ولا سرور إلا بالمصالحة.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com