يشهد شعب فلسطين ما يجري حوله، من تغيرات وتبدلات غريبة عجيبة، ويعيش حالة من الإستغراب وحتى الصدمة، قصف على كل أنحاء غزة، إغتيالات تسبقها ملاحقات وإعتقالات من لون آخر، وقوات ذات اللون تنتشر هنا وهناك، مستنفرة وغير آبهة، لا لأصوات الطائرات الحربية ولا لوقع قذائفها، وكأن ما يجري إمتداد لما يسمونه مناورات قوات على معبر رفح، فلا هذا دم يراق ولا هي أرواح تزهق، عجباً على أدعياء مقاومة باتوا يحملون سر مقاومتها، ولا يكترثون لا لزيتون يقطع ولا لزيت يهدر، وعيونهم ترنوا لزيوت من نوع آخر.
بالأمس القريب كان نظام سوريا، صوت الحق وعنوان مواصلة القتال والكفاح، جبهة مساندة لفلسطين وثوارها.. كذلك كانت إيران، التي نسمع على لسان البعض أنها ما زالت، ولا ندري من نصدق، واليوم نعيش حالة الترقب والوضوح، عسى أن يكشف لنا القادرون منهم عن إخوان الإخوان، وخوفنا من التشكيك في النسب، فضيحة قاسية على العرب، ندعو الله سبحانه أن لا يكون هذا هو السبب، خاصة وأن صور الأمس التي شاهدنا، لم تعد هي نفسها، تغيرت رغم ضيق الحال، كونها صور وملصقات، لا رواتب لها ولا كهرباء لتلبية متطلبات حياة، فهي بلا ثمن ولا تكلفة، حتى أنها لا تساوي لا ثمن كيس إسمنت ولا حتى غطاء بلاستكي يقي من البرد القادم، هذا الحال الذي تحياه غزة ويراقبه كل عاقل في فلسطين وخارجها، قفزٌ من حِجّرٍ إلى آخر، غير آبهين لحدة الخازوق ولا لحجمه، هي مجرد قفزة ولها الثمن، وكأن المراقب لا يعي ما يدور، مجرد زيارة لأُمراء لم تأتي رغم الحاجة لها منذ وقت بعيد.
سوريا وإيران، وغيرها الكثير، عرب وعجم، أدعياء إخوة إسلامية أو مسيحية، شهدنا منهم الكثير وعلى مدار سنوات نضال وكفاح وحتى يومنا هذا، ووقائع كثيرة تشهد على صنيعهم، بسلاحنا الذي كان ثمن قوت أبناءنا حاربونا، وأرادوا لنا أن نكون مطية لتلبية حاجاتهم ولتحقيق مصالحهم، وحين رفضنا سفكوا دم شعبنا ولم يرحمونا، ومخيمات لبنان تشهد على ذلك، ومعاناة شعبنا الآن بقطع التمويل منار لكل تائه، المهم أننا كفلسطينيين نعرفهم جيداً، وجلودنا تحمل تضاريس فعلهم، فقط هي الذاكرة التي أحياناً تخون من يريد أن تخونه، وبالتحديد من يتجاوز الماضي ويلغيه، ظاناً أو متوقعاً أنه قادر على تجنب التبعات، غير مكترث لأخذ العبر، معتقداً أن التقية قد تفيد، وتستر ما يخفية من حقائق.
غزة تئن وتتوجع من فعل إنقلابي أحمق، ما زال يلقي بظلاله على كل فلسطين، ماض وحاضر ومستقبل، وهي تحتاج العون والمساندة، تحتاج كسرة الخبز كما تحتاج رشفة الماء وضوء الكهرباء، لكن حاجتها هذه، لن تغير أبداً، لا من شكلها ولا من جوهرها.. غزة فلسطينية، لا قطريه ولا إيرانية، ولن تقبل وسمها بغير وسم فلسطين، سواء تغيرت قِبّلَة هذا أو ذاك، بوصلة لقائها وعناقها ستكون مع القدس، وليس مع أي عاصمة أخرى، والصور التي تُرفع وتُنزل، تتغير وتتبدل، وكأنها تحمل ألوان قوس قزح، غريبة عنهم رغم أنها تلوح في الهواء وعلى كل شرفة، لكن لهم صورهم الخاصة، يحفظوننا اياها في العقول والقلوب، صور قيادتهم التي تحارب على كل الجبهات، وتواجه التهديد والوعيد، أما الصور الأخرى، عنوان القفزات وأثمانها من الدولارات، فسيأتي اليوم الذي يدوسونها بأرجلهم، كما داس أمثالهم تماثيل وأصنام أشباه أصحاب هذه الصور.