عدد الحكومات الإسرائيلية منذ نشأت دولة إسرائيل وحتى يومنا هذا 32 حكومة، تشكلت بعد 18 عملية إنتخابات عامة، فبعد الإنتخابات الثانية عام 1952 وحتى الثالثة عام 1955 تشكلت 4 حكومات، تلتها في عدد الحكومات الانتخابات الخامسة التي شهدت إنسحاب بن غوريون من الحكومة العاشرة وحلها، وتولي خلفاً له، ليفي إيشكول لحكومتين بقيادته (11 و12) حتى الإنتخابات السادسة عام 1961، الحكومة الأكثر إستقراراً، والتي أكملت تقريبا فترتها، كانت الحكومة السابعة من 1969-1974 بقيادة غولدا مئير، وتلتها الحكومة 18 بقيادة مناحم بيغن، من عام 1977 وحتى عام 1981، وتعتبر حكومة تحول في تاريخ الحكومات الإسرائيلية، كونها الحكومة اليمينية الأولى بقيادة "الليكود"، إئتلاف قوى اليمين، والتي وضعت حد لحكم حزب "العمل" وكل إمتداداته التاريخية، غير ذلك، أي حكومة أخرى لم تكمل المدة المقرة للحكم، وهي أربع سنوات.
كثيرون يعزون عدم إستقرار الحكم في إسرائيل للنظام السياسي الحزبي التعددي، الذي يعطي البرلمان (الكنيست) السيادة، بناء على تخويل جمهور الناخبين له، فهو من يشكل الحكومة ويمنحها الثقة، وهو من يقيلها، والوحيد المالك صلاحية حل نفسه وتحديد موعد الإنتخابات، وكثيراً ما تسقط الحكومات لتضارب المصالح بين أطراف الإئتلاف، لأسباب قد تكون في ظاهرها سياسية، أمنية، إجتماعية دينية أو إقتصادية لها علاقة بتقاسم كعكة الميزانية، وتحقيق الإمتيازات لجمهور الناخبين.
دوافع الإنتخابات الإسرائيلية وأسبابها ليست دائماً كامنة فيما ذُكر سالفاً، أحياناً يُستخدم بعضها كذريعة وتبرير، فنتنياهو ظهر على مواطني دولته ليقول لهم متعففاً، أنه لن يقبل بإستمرار الحكومة التي يرأسها، كون شركائه يقدمون مصالحهم الحزبية على مصلحة الدولة، ويريدون تحقيق مكاسب يُرضوا بها ناخبيهم، وكأنه طوال الثلاث سنوات الماضية لم يرضيهم، سواء سياسياً أو مالياً.. فهو من قدم لهم كل ما طلبوه، جمود سياسي، وزحف إستيطاني يحقق رغد الحياة لكل أطراف اليمين الإسرائيلي على حساب الغالبية الإسرائيلية وحقوق الفلسطينيين، إضافه لتلبية رغبات وإحتياجات المتدينين المتنوعة، أراد نتنياهو كسب النقاط وتسجيل المواقف أمام الجمهور، معلناً بداية المعركة الإنتخابية بضربة قاصمة لحلفاء الغد واليوم والمستقبل، مظهراً نفسه قائداً مخلصاً حريصاً على مصالح شعبه.
عادةً السنة الأخيرة من عمر الحكومات، تستخدم لجس النبض، إستعداداً للإنتخابات القادمة، يتحين بها الأقوياء الفرص لإختيار الوقت المناسب الذي يلائم أحزابهم للإعلان عن الإنتخابات.. حزب "الليكود" بقيادة نتنياهو ومعه كل من حركة "شاس" وحزب "إسرائيل بيتنا"، وجدوا أن الفرصة مهيأة الآن للذهاب للإنتخابات، كونهم سيكونون الأوفر حظاً وفق كل إستطلاعات الرأي للفوز بغالبية يمينية بقيادة نتنياهو، وهذا الأخير وبعد أن نجح في إيصال حزب "كديما" لوضعه الحالي، بحيث بات حزبا هامشيا وفق المتوقع له، وجد أن لا منافس حقيقي له، خاصة إذا ما أسرع في الإعلان عن الإنتخابات بموافقة حلفائه ومساندة المعارضة، ليضع أي منافس محتمل له أمام ضغط عامل الوقت، وهذا ما يواجهه حقيقةً المنافسون المحتملون ايهود أولمرت وليفني، القيادة السابقه لحزب "كديما".
أمر آخر، وقد يكون دافع أساسي لنتنياهو وحلفائه، للإعلان عن الإنتخابات، وهو الإستعداد لمواجهة الرئيس الأمريكي القادم، بحكومة إئتلافية جديدة، أيضاً لتلافي تدخل أمريكي في الإنتخابات الإسرائيلية كما حدث في الماضي، حين ساهم بل كلينتون في هزيمة نتنياهو عام 1996 أمام إهود براك، وقبل ذلك مع سلف نتنياهو، إتسحاق شامير حين جمدت الإدارة الأمريكية ضمانتها المالية بسبب الإستيطان، مما أدى لفوز إتسحاق رابين، ونتنياهو يدرك أنه حاول وبصلافه التأثير على مجريات الإنتخابات الأمريكية لصالح روماني ضد أوباما، مع ذلك لم يتأخر الرد الأمريكي، رغم الإنشغال بالإنتخابات الداخلية هناك، ليتم الإعلان عن فحوى إلتزام لنتنياهو، يتعارض مع مواقفه المعلنة الرافضة للتنازل عن أي شبر من أرض إسرائيل، خلال مفاوضات غير مُعلنة مع سوريا عام 2011، بالإنسحاب من هضبة الجولان كاملة، مقابل علاقات طبيعية مع سوريا وتخليها عن تحالفها مع محور الشر الإيراني، ليؤكد بذلك الأمريكان لنتنياهو وكل حلفائه، بأن الإنتخابات الإسرائيلية ملعب أمريكي، تُحَدِّد قواعده ونتائجه وفق ما يناسب سياستها ويخدم مصالحها.
مهما يكن، على الجميع مراعاة كون الساحة الحزبية الإسرائيلية، ساحة رملية متحركة، لا ثَبَات بها سوى للمتدينين المتشددين، أمثال "ديغل هتواره" و"شاس"، كون مؤيديهم قطاعات متدينة وإجتماعية ثابتة، رغم إختلاف أصولها، أشكناز (غربيين) وسفرديم (شرقيين)، مما يعني صعوبة التكهن بنتائج الإنتخابات وما ستحمله، خاصة إذا ما أخذنا بعين الإعتبار إحتمالات عقد تحالفات جديدة تقودها شخصيات خارج الحلبة السياسية الحالية، الكنيست أو الحكومة، وتحظى بتأييد جماهيري عارم..!!