2012-10-11

محاولة أوّلية في نقد مألوفاتنا النقديّة


بقلم: ماجد كيالي

ثمة اعتقاد سائد مفاده أن النقد السياسي زائد عن حدّه في الساحة الفلسطينية، لكن الحقيقة هي على العكس من ذلك، فمن يتمعّن في الخطابات والأدبيات وأنماط التفكير السائدة سيجد بكل بساطة أن ثمة ندرة في أنماط التفكير النقدية، أو في انتاج الأفكار النقدية، وأن نمط التفكير المهيمن هو الذي تنتجه الكيانات السياسية السائدة، وبالأخص الحركتين المهيمنتين "فتح" و"حماس"، لاسيما بعد أن باتت كل واحدة منهما بمثابة سلطة بكل معنى الكلمة.

على أية حال فإن هذا الانطباع الاستنكاري، ربما، والذي تروّج له القوى الفلسطينية المهيمنة، إذ ينطوي على تبرّم، وربما خشية، من تولّد أفكار نقدية في الحقل السياسي الفلسطيني العام، فإنه ينطوي، أيضاً، على اختزال للسياسة، وإصرار على خصخصتها، على طريقة الأنظمة، بجعلها احتكارا للطبقة السياسية المسيطرة، بمعزل عن معظم الشعب، وبغض النظر عن علاقات المأسسة والتمثيل والمشاركة السياسية.

هذا لا يعني أنه ليس ثمة نقد سياسي بين الكيانات السياسية السائدة، ذلك أن هذا النقد موجود وبكثرة، ولعل هذا النقد هو بالذات الفائض عن الحاجة، لأنه مجرد نقد فصائلي، وسطحي، ومضرّ، ولا جدوى منه، بما يتعلق بإيجاد حلول لمعضلات الساحة الفلسطينية، أو بشأن الارتقاء بفكرها السياسي. على ذلك ينبغي هنا التمييز بين النقد الذي تنتجه الفصائل في صراعاتها البينية، والذي يصدر عن عقليات او حسابات فصائلية ضيقة، وبين النقد السياسي الذي يصدر عن عقليات وطنية تأخذ في حسبانها المصلحة العامة.

وفي الواقع فإن النقد الفصائلي، في غالبيته، ليس تغييرياً، فهو يتعرض لسطح السياسة، وليس لعمقها، لمظاهرها وليس لجوهرها. وهو إن توخّى الإصلاح، فللحفاظ على النظام السياسي السائد (القديم)، بغض النظر عن أهليته وقدرته على صون الإنجازات المتحقّقة أو مواجهة التحديات الجديدة.

وينطوي النقد الفصائلي، المرهق، والعبثي، والمضرّ، على عديد من الادعاءات وضمنها، ادعاء احتكار الحقيقة والنزاهة والشرعية والوطنية، فكل من الكيانات السياسية يدعي حق احتكار كل ذلك، هذا ما تدعيه "فتح"، و"حماس"، والجبهات الشعبية والديموقراطية والقيادة العامة والعربية والنضال الشعبي والتحرير، وأحزاب الشعب وفدا والشيوعي الثوري، ومنظمة الصاعقة وفتح ابو موسى.

هكذا فمن الصعب أن تنتزع اعترافاً من أي كيان من هذه الكيانات السياسية، مهما كان حجمه أو دوره صغيراً، إن في مواجهة العدو، أو بالنسبة لمكانته عند شعبه، بأقل من هذه الادعاءات. كما لايمكنك انتزاع اعتراف من التنظيمات الكبيرة بمسؤوليتها عن مسار التدهور الحاصل في الساحة الفلسطينية، على الأقل بالقياس لحجمها ودورها، فما دامت مسؤوليتتها القيادية كبيرة، فهذا يستدعي أن مسؤوليتها عن ما وصلت اليه الساحة الفلسطينية هو كبير أيضاً.
 
في هذا الخصوص من الصعب، مثلاً، أن تعترف حركة "فتح" بقسطها من المسؤولية عن التدهور الحاصل، إن بعقدها اتفاق اوسلو، بالثغرات والمخاطر التي تضمنها، وتهميشها منظمة التحرير، ودور اللاجئين في العملية الوطنية، وكذا مسؤوليتها عن كيفية ادارة السلطة، وعن الانقسام الحاصل في النظام الفلسطيني، فقد حصل ما حصل، بالنسبة لها، بسبب سياسات حركة حماس، والظروف الموضوعية.

وهذا ذاته ما تقوله حركة "حماس"، وبالمقدار نفسه، فهي لا تعترف بمسؤوليتها عن ما جرى، بالقياس للسياسات الانقسامية والتحريضية التي اتبعتها، وبالنظر لانتهاجها نمط العمليات التفجيرية التي أدت إلى استنزاف القدرات الفلسطينية، ما سهّل على إسرائيل البطش بالفلسطينيين، وصولاً إلى مسؤوليتها عن الانقسام الحاصل وعن استمراره، فكل شيء بالنسبة لحماس هو من مسؤولية حركة فتح.

والحال فإن كل من حركة فتح وحماس تعتبر نفسها عصيّة على النقد، أو فوق النقد، ويمكن تفسير ذلك بسيادة نمط من العقليات المغلقة والأبوية، وغياب علاقات المكاشفة والمساءلة والمحاسبة، لأن هذه الفصائل لم تتأسس على قواعد تمثيلية وانتخابية وديموقراطية. هذا يفسّر، أيضاً، أن بعض الفتحاويين يرون أنه ينبغي تركيز النقد على "حماس" والجبهات، وبعض الحمساويين يعتقد بتركيزه على "فتح" والجبهات، والبعض من الجبهات يرى تركيزه على "فتح" و"حماس"..!

اللافت ان حركتي "فتح" و"حماس"، اللتين تحولتا الى سلطة تحت الاحتلال، ومن دون تحقيق الاستقلال الناجز، لايعملان شيئا من أجل تجاوز هذه الحالة التي بات لها خمسة أعوام، على رغم توافقهما على مقاربة سياسية تتمثل بالتركيز على هدف الدولة الفلسطينية، وعلى التحول نحو انتهاج المقاومة الشعبية.

بات النقاش بين "فتح" و"حماس"، اي بين السلطتين في الضفة وغزة، مملا وممجوجاً ومؤسفاً، ولا يليق بنضالات الشعب الفلسطيني. ومثلاً، فإن النقاش بشأن الشرعية لم يعد ثمة معنى له، في واقع الشرعية والسيادة فيه للاحتلال، وفي واقع باتت فيه شرعية الرئيس والمجلس التشريعي منتهية منذ زمن، ما يتطلب التوافق على إجراء انتخابات جديدة. هذا ينطبق، أيضاً، على تركيز حركة "فتح" على سفر هنية ولقاءاته في الخارج وتناسى أن بعض قيادييها يفعلون ذلك من وراء الأطر الشرعية، وفي واقع يجري فيه تهميش المنظمة وعدم قيامها بأي دور لاثبات مكانتها كممثل للفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم. وبشأن المعتقلين فمن حق حركة "حماس" أن تتحدث عن معتقليها في الضفة، لكن هذا ينبغي أن يذكّرها بسياسة الاعتقال ومنع الأنشطة والتنكيل الذي تمارسه ضد نشطاء فتحاويين او مستقلين في قطاع غزة. أما حديث أوساط حركة "حماس" عن اتهام "فتح" بوقف المقاومة فلم يعد مفهوماً منها بعد وقفها المقاومة في قطاع غزة.

وربما أن منتسبي الفصائل، لاسيما "فتح" و"حماس"، معنيون بإدراك أن العملية الوطنية الفلسطنيية المعقدة والمركبة تستوعب وجهات نظر ثالثة ورابعة وخامسة وسادسة، وان تقاطعت هنا او هناك، في مرة مع هذا الطرف أو ذاك، أو لم تتقاطع البتة، ذلك أن أغلبية الفلسطينيين اليوم هي خارج الفصائل، وهؤلاء أيضاً لهم رأيهم بما يجري، وتلك هي أبجديات السياسة والعمل السياسي.

فوق كل ما تقدم يتناسى أرباب الفصائل بأن نقد التجربة الفلسطينية بالكلام، أفضل بكثير من نقدها بالسلاح، وبالاقتتال، وبالانشقاق، وبالانقسام، فالنقد يساهم بالتطوير ويغني العملية الوطنية، ويرشّد أشكالها النضالية، في حين أن الاقتتال والانشقاق والانقسام يدمر الحركة الوطنية ويفتتها، ويهدر طاقاتها ويبدد إنجازاتها.

قصارى القول فإن الوضع في الساحة الفلسطينية بات يحتاج إلى عقلية نقدية تغييرية، أي تجديدية وتطويرية، لأن الوضع تجاوز مجرد الإصلاح، أو الترقيع. وهذا يعني أن الأمر بات يتطلب القطع مع العقلية الفصائلية الضيقة، التي سادت في المرحلة الماضية، بعد ان تآكلت هذه الفصائل، وتآكل حضورها في المجتمع وفي ميدان الصراع ضد إسرائيل، من دون ان يشكل ذلك قطع مع الخبرة الوطنية التي تم اكتسابها، ولا مع الإنجازات التي ينبغي صونها والبناء عليها وتطويرها. ثمة فائض نقد فصائلي، هو أقرب للتهجمات، والاتهامات، لكن احوال الفلسطينيين تتطلب تنمية التفكير السياسي النقدي، فهذا النوع من التفكير هو ما يحتاجه الفلسطينيون لبناء اجماعاتهم الوطنية، وإعادة الروح إلى كياناتهم ومشاريعهم السياسية.

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في دمشق. - mkayali@scs-net.org