2012-10-10

برشلونة: أكثر من نادٍ وأكثر من رأي..!!


بقلم: عدلي صادق

إنه "أكثر من نادٍ". هكذا يقول حرفياً، شعار نادي برشلونة لكرة القدم. فقد جعل النادي الرياضي، حضوره في حياة أهل مقاطعة كاتالونيا الإسبانية، يتساوق مع المشاعر القومية لأهل القاطعة، ويؤكد على المكانة التي بلغتها هذه المؤسسة الرياضية، في وجدان جمهوره المحلي، إذ بات "بارسا" أو فريق برشلونة، الذي تأسس قبل نحو قرن وعقد من الزمن؛ رمزاً لثقافة الكاتالونيين الذين يطمحون الى الاستقلال. وممَّ يستقلون؟ من إسبانيا التي لا تقتلهم ولا تعمل على توطين غرباء مهووسين في أراضيهم، ولا تقيم بينها وبينهم جداراً عازلاً، ولا تسرق مياههم، ولا تتعدى على كرامتهم، ولا تهينهم عند الحواجز وفي المنافذ، بل لا حواجز ولا منافذ من صنع يديها،  على أراضيهم، ولا إحراق لمعابدهم ومزروعاتهم..!

هذا النادي، يتعطش الى حرية فوق الحرية، والى استقلال عن الدولة الديمقراطية بحق. هو المدلل كأيقونة، مثلما هي كاتالونيا التي يطالب أرتورو ماس، رئيس إقليمها؛ الحكومة الاتحادية المأزومة اقتصادياً؛ أن تمنح إقليمه أكثر من خمسة مليارات يورو، لكي ينتعش بخلاف سائر إسبانيا. يتشكى الكاتالونيون، ويهتفون للاستقلال عن الدولة. وفي ذات الوقت، يتغابى النادي أو يتشاطر بغباء، فيدعو جندياً إسرائيلياً احتلالياً، ليكون ضيف شرف على مباراته المهمة مع ريال مدريد. ولم يكن أهل برشلونة سمعوا باسم شاليط، إلا من حكاية لا تشرّفه، ولا تجعل منه رمزاً لشيء تزهو به برشلونة أو غيرها. كان جندياً ضمن طاقم دبابة تفتح النيران عشوائياً على الأبرياء الفلسطينيين، وباغته المقاومون وجرّوه من عنقه، عائدين به الى مواقعهم. أما محمود السرسك، فهو رياضي فلسطيني، سجنه المحتلون ظلماً، فيما هو يلعب فيرمي كرة القدم لا كرة النار. وكان عيباً وسلوكاً شائناً، من دعاة الحرية الزائدة لكاتالونيا، فضلاً عن حريتها غير الناقصة في إسبانيا؛ مساواة السرسك، ابن مشروع الظفر بالحرية الطبيعية؛ بجندي ينتمي الى مشروع القيود الخانقة، والقتل العشوائي، ومنطق الغيتو ذي الجدران والهواجس المجنونة، الذي يعاند ضحاياه ويحرمهم من أبسط شروط الحرية، بمستواها الإنساني..!

المفارقة الطريفة في الحدث، أنه ـ على قبحه ـ أثلج صدور أولئك الذين أغاظتهم حماسة بعض الفلسطينيين لفريق برشلونة. فهؤلاء  ارتفع صراخهم الى عنان السماء تأييداً لفريق برشلونة، وهتفوا له بحناجرهم وقلوبهم. تحولوا الى ظاهرة غريبة في السنوات الأخيرة، تعكس عطشاً في واقعنا البائس، للتماهي مع أي منتصر ذي عنفوان. صحيح إن متابعي مبارايات كرة القدم العالمية، من الفلسطينيين والعرب، ظلوا ينحازون بالفطرة، الى فرق الدول "المستورة" ضد فرق دول الاستكبار العالمي والإرث الاستعماري الغليظ أو الأقل غلاظة نسبياً. ففي هذا السياق، كنا نطرب للبرازيل عندما تهزم إنجلترا، ولأسبانيا عندما تهزم فرنسا. وبهذه التدرجات والأحكام النسبية، نكون مع إيطاليا ضد ألمانيا ومع روسيا ضد أمريكا.

لكن بهجة مشجعي برشلونة، من الفلسطينيين، عندما تضاهي بهجة أهل كاتلونيا أنفسهم، نكون بصدد حالة نفسية جماعية، تستوجب طبابة ثقافية وسياسية، مع قليل من كرة القدم العربية. حالة يختلط فيها الإحساس بالحاجة الى الالتصاق بقوي ذي عنفوان، مع هاجس القَرْعة التي تتباهى بشعر ابنة أختها. فبرشلونة، أثبت بالحدث الأخير، أنه أكثر من نادٍ، حسب ما ينص شعاره، وأنه يمثل أكثر من رأي، قياساً على منطوق عشقه للاستقلال وللحرية الزائدة، عن إسبانيا مرفقاً بمنطوق دعوته لشاليطـ، ابن مشروع اللاحرية والقيود لشعب آخر..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com