مر الوقت، منذ ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011 وإبراهيم سعده، رئيس تحرير "الأخبار" الأسبق، يحاول أعادة انتاج نفسه على نحو يلائم الوضع الجديد. ظل يكتب، على الرغم من أنه صاحب إحدى ورقات "الكوتشينة" التي افترضها أحد الأذكياء الوطنيين، وتكثفت من خلالها رموز اللعبة الشيطانية لنظام مبارك. طرح سعده نفسه فيما هو يغالب الكوابيس، كصاحب رأي موضوعي، لا سيما وأن ظروف البلاد لا تساعد حتى الآن، على ملاحقة كل الفلول، ولا على الإجهاز على من ظلوا يحاولون تشويه ذائقة المصريين، واستبدال عواطفهم النبيلة، وقناعاتهم على كل صعيد، بأخرى يريدها الأمريكيون والإسرائيليون ورئيس الجمهورية المطاح به. ظل سعده هذا، منذ إسقاط مبارك، يهتم في مقالاته بمحاولات خلق الانطباع بأن وجوده في الصفحة الأخيرة من "الأخبار" يفيد قارئها ويفتح للمصريين نافذة على الصحافة الدولية، علماً بأن الثورة أطلقت الحريات لكل البارعين القادرين على رصد الأحداث وتحليلها بموضوعية، وهؤلاء كالعملة الجيدة التي تطرد العملة الرديئة من السوق. وسعده هذا، ذو تاريخ آخر، غير ذلك التاريخ المزور، الذي زود به مكتبة الاسكندرية والمراجع، عندما تضخم دوره في الصحافة الحكومية، فتأتى له أن يكتب عن نفسه ما يشاء. فهو، بدل دراسته المتوسطة في معهد للفندفة، جعل نفسه دارساً للاقتصاد السياسي في سويسرا. وبدل أن تكون إقامته في تلك البلاد، في مهمة عسس أمني، تحت ستار مراسل صحفي، فقد جعلها مثالاً على حل مشكلة لم نسمع بها إلا منه، وهي عجز الجامعات المصرية في الستينيات، عن استيعاب خريجي الثانوية العامة. وفي ذلك السياق، أشار الى تحقيق صحفي أجراه، حول هذه الإشكالية المزعومة. وبدل أن يقول إنه ذهب بتكليف أمني لمتابعة إسلاميين اتخذوا من سويسرا، ملجأ لهم وأصدروا منها مجلة شهرية؛ قال إنه ذهب الى ذلك البلد الوديع، ليلاحق جماعة عبد الكريم النحلاوي، مدير مكتب المشير عامر في دمشق، الذي نفذ انقلاب الانفصال ثم سقط مع جماعته ولجأ الى سويسرا، وكتب سعده تحقيقاً استقصائياً عنه.
تناولنا أمر سعده هذا، قبل نحو عشر سنوات. قلنا إن مهمته في الموضوع الفلسطيني، انحصرت في الخروج الريائي الفائح، في كل لحظة يرتفع فيها منسوب التعاطف الشعبي المصري مع الفلسطينيين في كفاحهم الوطني. فقد كان النظام ينزعج من تعاطف المصريين مع أشقائهم الفلسطينيين، وكذلك ينزعج من حب الفلسطينيين للمصريين ومن تداخلهم الاجتماعي معهم، لذا كان يوعز لأمثال سعده، بين فترة وأخرى، بالهجوم على الشعب الفلسطيني بقضه وقضيضه وتلاوينه، فلا يستثني منه أحداً. ولم يتورع سعده، في ذلك السياق، عن قول أي شيء، من شأنه تنفير الشعب المصري، من شقيقه الشعب الفلسطيني. فهذا الشعب ــ الأخير ــ باع وطنه، وهو طابور خامس، وجمعٌ غادر، وفئة حاقدة على مصر وعلى المصريين، وهو شعب مُدان بالجملة كشعب، بل إن الصهيونية ظُلمت معه. وكلما أراد نظام أن مبارك، استرضاء القيادة الفلسطينية، كان يجلب سعده لكي يلطف الموقف بوضاعة. هكذا حدث في ذات رحلة بالطائرة، كان فيها الشهيد الرئيس أبو عمار مع مبارك متجهيْن الى عمّان، ولم يتردد الزعيم الفلسطيني في مفاتحة سعده في موضوع بذاءاته، أمام ولي نعمته، ليكتب سعده في اليوم التالي مقالة بعنوان "حق عرب لأبي عمار"!
أول أمس، ومن بين آلاف التعليقات على واقعة تكريم الرئيس الراحل أنور السادات؛ التقط ابراهيم سعده، تعليقاً للشاعر الشاب تميم البرغوثي على الفيس بوك، فكتب عنه حلقتين من عموده، مع التركيز على الجنسية الفلسطينية للشاعر الذي لم يذكره بالإسم في المقالة الأولى أول أمس. أشار سعده اليه بالاسم في المقالة الثانية، مع لوم ضمني للصحافة التي تنشر أشعار تميم. تجاهل أن الشاب ولد ونشأ وترعرع في مصر، لأم مصرية هي الأديبة رضوى عاشور استاذة الأدب في جامعة عين شمس، ولأبيه الشاعر المبدع مُريد البرغوثي. وتجاهل كذلك أن تميم، المصري المولد والأم والنشأة، صاحب حق في الجنسية المصرية حسب قانون انصاف المرأة المصرية المتزوجة من غير المصري، الذي لم تطبقه السلطة بالنسبة للفلسطيني. قال سعده إن البرغوثي أعرب عن استنكاره لتكريم السادات في ذكرى حرب 73. وتداعت المقالة الثانية، ليتبدى ابراهيم سعدة في سيرته الأولى التي لم يعد من السهل عليه الظهور بها بفجاجته المعهودة، وكيفما يتكثف الجهل بالتاريخ وبالوقائع والخواطر العفنة، والتعليلات السخيفة، التي غرضها الحط من شأن تاريخ النضال الفلسطيني. فهو يجزم، مقتبساً تعليقاً انتقاه من الفيس بوك، يقول فيه تميم إن صلح السادات آذى القضية الفلسطينية. ويرد سعده بالمنطق المتغابي نفسه، قائلاً ما معناه، إن السادات أتاح للفلسطينيين المشاركة، لكن قادتهم مارسوا التعالي على المناسبة. ولماذا كان التعالي؟ لأنهم ـ حسب قوله ـ يرفضون حل القضية ويريدون الاستمرار في تلقي الأموال والمعونات التي جعلتهم أغنياء حرب..!
بالطبع، نمط الأرزقيين من أمثال سعده، لن يعترف بأن إلياهو بن اليسار، رئيس الوفد الإسرائيلي في مباحثات فندق "مينا هاوس" التي يراها سعدة أنها كانت الفرصة؛ رفض الدخول الى القاعة احتجاجاً على مجرد وضع العلم الفلسطيني في مكان مخصص للفلسطينيين الذين لم يكونوا في وارد المشاركة أصلاً، لعدم واقعية المناسبة ولموقف إسرائيل الليكودية آنذاك. ويتجاهل سعده، أن إشكالية العلم الفلسطيني، انتهت بحل وسط، وهو إزالة أعلام الدول كلها، المثبتة على الطاولات. وليس من مصلحة موتور من هذا الطراز، أن يؤكد على أن الطرف الإسرائيلي لم يكن مهيأ لمشاركة فلسطينية، وأنه لم تكن هناك فرصة. والأسخف، أن الرفض الفلسطيني للمشاركة، في ثقافة سعدة، وفي لغته الفلولية، وهو الذي جاوز السبعين، سيكون بالضرورة طمعاً في المال، وليس قياساً على أي شيء آخر، له علاقة بالحق في الوطن أو بمدركات القضية.
تميم البرغوثي، ومعه عشرات الألوف من الفلسطينيين المتحصلين مؤخراً على الجنسية المصرية؛ في مقدورهم تجميع كل بقع القمامة التي تركها ابراهيم سعدة في إرشيف "الأخبار" عندما كتب عن شعب باع وطنه، وعن طابور خامس، وعن جنس غادر وخسيس؛ لرفع قضية ضد صاحب جناية الإسهام السافل، في تمرير عذابات تعرض لها الشعب الفلسطيني في مصر، عند المرور عبرها أو المكوث المؤقت فيها. ملايين من أيام السجن، ومن الكرابيج، وملايين ساعات اقتياد الناس مخفورين من المنافذ الى المنافذ، بسبب معاملة الفلسطينيين بمنطق سعده ومنطق من يوعزون له. وكان ذلك من صنف الممارسات التي أساءت لمصر ولتراثها الكفاحي ولأريحية شعبها ولثورة 52 قبل أن تسيء للفلسطينيين. ويتعين على محامي الدفاع عن سعده، في محاكمة واجبة، أن يثبت بأن مساحة الأراضي التي اشتراها اليهود من فلسطينيين ومن غير فلسطينيين، تزيد عن مساحة ملكيات عقارية في مصر، اشتراها يوناني أو تركي أو بريطاني أو يهودي واحد، في في زمن الاحتلال البريطاني، وبعد اتفاقية "سايكس بيكو" التي أنهت التواصل السلس، بين منطقة نفوذ الانتداب الفرنسي، وفلسطين تحت الانتداب البريطاني، ما جعل الإقطاعيين من سوريا ولبنان يبيعون ملكياتهم العقارية في فلسطين. كان ذاك، في زمن غياب الإرادة الوطنية، وفي زمن امتلاك الأجنبي لقناة السويس، وفي زمن تستر المشروع الصهيوني وراء معاني التطوير والإنسانية التي لا علاقة لها بإنشاء دولة غاصبة. وسيتعين على محامي المدعين بالحق المدني، أن يوضح للمحكمة الموقرة، أن فلسطين التي لم تكن تحكم نفسها، وبعد أن وصلت المبيعات العقارية مداها، لم تخسر من أرضها عن طريق البيع ما يصل الى نسبة 5% المساحة الإجمالية، وبالتالي إن سعده ومن يردد مقولاته، إما مريبون مستأجرون، أو مضللون لا يعرفون شيئاً، ويتناغمون مع الاحتلال الذي شرّد الفلسطينيين وسلبهم أرضهم وحقوقهم، ويصر على تبرئة نفسه..!
إن الرئيس الراحل أنور السادات، له مآثر لا ننكرها، في سياق نُصرة القضية الفلسطينية، والرجل كان ضابطاً قاتل بنفسه في فلسطين، ولم يكن قاتلوه الإرهابيون، إلا من وسط ايديولوجي مغاير لروح حركة النضال الفلسطيني، وهم مصريون وليسوا فلسطينيين. وتميم البرغوثي، شاب تفتحت عيناه على وضع استثنائي، مر به والداه اليساريان، اللذان تعرضا لعسف مديد. ربما تكون حدة موقفه، إن كان ما نُقل عن صفحته صحيحاً؛ ناجمة عن ظروف خاصة في طابعها الأسري المصري. وهذا لا يعني أن تخطئة السادات في تعاقداته التصالحية المنفردة، محرمة على المصريين وعلى الفلسطينيين. عشرات المقالات في الصحافة المصرية نوّهت خلال الأيام القليلة الماضية الى خطأ فادح وبعضها نوّه الى نواقص في تلك التعاقدات، والمسألة ليست اختراعاً فلسطينياً. أما الناقص والقاصر، فهو تأثيم كل تجربة جمال عبد الناصر.
كنا نأمل، أن تُحال سريعاً، مثل هذه الأشكال والأصوات، الى مزبلة التاريخ لا الى الى صحف البلاد ولا حتى الى مخازن مقتنياتها البالية. فمتاحف تاريخ الحكم في أكثر عهود الخديوية ارتهاناً للأجنبي، تأبى أن تستوعب بين جنباتها أمثال هذه السحنات السمجة الموتورة، فما بالنا بمشهد الحياة الجديدة وصحافتها، في مصر المحروسة..!