قبل أيام، قلد الرئيس المصري، محمد مرسي، الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات، أعلى وسام جمهوري وهو "وسام النيل" بمناسبة حرب تشرين الأول /أكتوبر 1973، أو ما عرفت "بحرب العبور"، حيث حطم الجيش المصري "خط بارليف" الذي أقامته إسرائيل بعد انتصارها في حرب 1967، كحاجز ليمنع إمكانية عبور الجيش المصري القنال في حالة نشوب حرب جديدة.
ويكاد الإنسان أن لا يصدق مثل هذه العمل الذي ينطبق عليه المثل العربي "قتل القتيل ومشى في جنازته" . فكما هو معروف فإن السادات قتل في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر 1981، عندما كان واقفا على المنصة يستعرض قوات الجيش بمناسبة انتصاره في الحرب المذكورة.
الذي نفذ هذه العملية كان خالد الإسلامبولي، حيث قفز من سيارة العرض العسكري عندما وصلت أمام منصة الرئاسة وأطلق النار من مدفعه الرشاش وقتل السادات وآخرين وجرح عددا من الذين كانوا بالقرب منهم. وشهر نيسان/ أبريل 1982 حكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص. وكانت حركة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها الإسلامبولي هي التي دبرت عملية الاغتيال، كما تبين من خلال سير المحاكمة وحسب ما جاء في وسائل الإعلام المصرية في حينه.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتورط فيها حركة الإخوان بمحاولة اغتيال من يقف في طريقها. منها اغتيال أحمد ماهر باشا رئيس وزراء مصر. ولعل محاولة اغتيال الزعيم القائد جمال عبد الناصر يوم 26 تشرين الأول/ أكتوبر 1954 إثناء إلقائه خطاباً في ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية أثناء تكريمه وزملائه بمناسبة اتفاقية الجلاء. وقد أطلقت على الرئيس عبد الناصر ثماني رصاصات لم تصبه أي منها، ولكن واحدة منها أصابت الوزير السوداني ميرغني حمزة وأخرى أصابت سكرتير هيئة التحرير بالإسكندرية المحامي أحمد بدر الذي كان واقفا إلى جانب جمال عبد الناصر، هو أكثر الأمثلة على تورط الإخوان في عمليات تصفية من يقف في طريقهم. وألقي القبض على مطلق الرصاص والذي تبين أثناء التحقيق معه أنه ينتمي إلى تنظيم الإخوان المسلمين. وفي 13 كانون الثاني/ يناير 1954 صدر قرار جمهوري يقضي بحل تنظيم الإخوان المسلمين وحظر نشاطها.
ولكن الإخوان لم يتوقفوا عن السير في تنفيذ مخططهم، فألقي القبض على مجموعة كبيرة منهم وأدخلوا السجن. وفي يوم 29/8/1966 حكمت المحكمة على زعيم الحركة السيد قطب بالإعدام، مما زاد حقد حركة الإخوان على عبد الناصر، ومن ثم على الفكر الناصري.
ورغم الفرق بين الحادثتين، حيث كان سبب اغتيال أنور السادات يعود إلى تنازله عن "تحرير المسجد الأقصى"، وتوقيع اتفاق مع إسرائيل في كامب ديفيد الأمريكي، والذي حمل في ما بعد اسم "اتفاقية كامب ديفيد"، إضافة إلى أن السادات حاول استخدام الحركة لصالحه السياسي، ولكنه تنكر لهم في ما بعد. وتابع حسني مبارك خط السادات. أما محاولة إغتيال الزعيم جمال عبد الناصر، فقد كانت نابعة من موقف سياسي، هدفه الخل في النظام وفرض الشغب في البلاد.
ولم يغفر تنظيم الإخوان لعبد الناصر موقفه منهم، وإعدام السيد قطب. وقد ظهر هذا واضحا في خطاب الفوز الذي ألقاه الرئيس محمد مرسي يوم 24/6/2012 عندما تحدث عن "حقبة الستينات". ويحب أن لا ننسى أن شباب ثورة 25 كانون الثاني/ يناير هم الذين فتحوا المجال لحركة الإخوان الوصول إلى سدة الحكم. ويمكن القول أن منح أعلى وسام في الدولة لأنور السادات من جانب الرئيس مرسي الذي يمثل الإخوان أيضا، جاء ليوجه رسالة واضحة للناصريين الذين بدأوا يوحدون صفوفهم. فحتى حسني مبارك لم يقم بمثل هذا العمل رغم أنه عاش وهو يلبس حذاء أنور السادات.
ويخطئ من يعتقد أن الرئيس مرسي قام بهذا العمل لكي يحصل على رصيد عند هؤلاء الذين لا زالوا من أنصار السادات، ولكن نظرته كانت تتوجه للولايات المتحدة التي تقدر السادات الذي فتح لها طريق السيطرة في المنطقة ووقع أول اتفاق سلام مع إسرائيل، وربط مصلحة مصر بمصلحة إسرائيل، واستمر نظام حسني مبارك في السير على هذا النهج. ومرسي يريد أن يبرهن على ما يبدو للأمريكيين أنه يسير على نفس النهج.
ولكي يلعب على حبل عواطف الشعب المصري سارع أحد المسؤولين في نظام الرئيس مرسي بالتصريح أنه يجب إدخال تعديلات على اتفاقية "كامب ديفيد" وإلا ضاعت سيناء للأبد. ولكن مرسي يعرف جيدا أنه بدون موافقة الولايات المتحدة لن يحدث أي تغيير على هذه الاتفاقية، وأن أمريكا لن توافق على شيء يتعلق بإسرائيل إلا إذا عرفت مسابقا أن إسرائيل موافقة. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة: هل يستطيع مرسي أن يتحدى أمريكا كما تحدى عبد الناصر إنكلترا وفرنسا وأمم قنال السويس؟!
إن اتفاقية "كامب ديفيد" فرضت على الشعب المصري وأهانته، بل وأذلته، ومنحت إسرائيل امتيازات على حساب هذا الشعب وكان الثمن إسقاط نظام حسني مبارك، الذي اعتمدت عليه إسرائيل والولايات المتحدة التي سخرته لتنفيذ مآربها. ومنح مرسي أعلى وسام في مصر لأنور السادات يمكن اعتباره إشارة واضحة لأمريكا وإسرائيل.