2012-10-05

المفصولون وسياق خطير..!!


بقلم: عدلي صادق

كان لا بد من الحزم، حيال الذين رشحوا أنفسهم بمبادرات شخصية وعائلية، لخوض الانتخابات المحلية، خارج التفويض الفتحاوي. فمهما كانت اعتراضاتهم على خيارات الحركة (وربما تكون بعض أسبابها قابلة للطرح)؛ إلا أن الالتزام بقرار الحركة، أمرٌ لا محيد عنه، لأن ضرر الاستهانة به، أكبر من أية أخطاء في الخيارات، ويمثل سياقاً خطيراً، ربما لم يحسب مخاطره، المعنيون الخارجون عن القرار التنظيمي..!

فعلى صعيد المضمون، تعكس وحدة الموقف الحركي، في كل شأن عام، مستوى ما توصلت اليه "فتح" من تدابير لتلافي الأخطاء التي وقعت في مناسبات انتخابية سابقة ونجم عنها تراجع النتائج التي حصلت عليها. فما زلنا نعاني من نتائج الانفلات الانتخابي الذي حدث في كانون الثاني (يناير) 2006 وليس أدل على حجم الأذى الذي لحق بالحركة، من  وقوع الهزيمة على الرغم من أرجحية مجموع الأصوات التي حصل عليها مرشحو الحركة والفتحاويون الذين لم ترشحهم حركتهم. وكان بعض الذين رشحوا أنفسهم مستقلين، من أعضاء المجلس التشريعي الأول، الذين أرادوا الاحتفاظ بمقاعد، مكثوا فيهت لعشر سنوات. للأسف لم يكترث هؤلاء وغيرهم من الفتحاويين الذين رشحوا أنفسهم كمستقلين، بالمتغير المقلق في خارطة القوى على الساحة، ولا اكترثوا بحاجتنا الضرورية لوحدة الموقف في المعركة الانتخابية. كانت النتيجة أن "فتح" ظُلمت، وبات القاصي والداني، وهما غير معنيين بالأرقام التفصيلية، يتحدثان عن ثقة أولاها الشعب الفلسطيني لحركة "حماس" علماً بأن مجموع أصوات الحركة ممن رشحتهم ورشحوا أنفسهم منفردين، يزيد عن الأرقام التي ربحتها هذه "الثقة". وليت النتيجة ظلت عند هذا الحد، واستمر التداول بالعودة الى الشعب. فقد اتكأت "حماس" على تلك "الثقة" لتفعل ما يخطر ولا يخطر على البال، وما لا ينسجم مع مباديء العملية الديمقراطية أو ما ينقلب عليها، إذ أصبح الخاسرون خائنين في لغتها، وأصبح النظام السياسي كله، عُرضة لـتغييرات تُضفي سمات أبدية على ما أتيح لها من مساحة الولاية التشريعية والتنفيذية. وكان الانقضاض الدامي المسلح على السلطة، قابلاً للتعليل عندهم، بشفاعة تلك "الثقة". ورأى الحمساويون في فوزهم، واقعة للتمكين، بحيث لا يذهبون ولا يأتي أحد بعدهم، ولا مكان بعدئذٍ للإرادة الشعبية. وقيل بلسان "حماس" صراحة، في كواليس الحوارات المديدة من أجل المصالحة، أن لا تحلموا بانتخابات لا نفوز نحن فيها.

اليوم، بات الموضوع أخطر وأكثر تعقيداً، حتى على مستوى الانتخابات المحلية. ففي المرة السابقة، كان الخوف على الديمقراطية وعلى مبدأ التداول. هذه المرة، بات الخوف على الوطن نفسه، إذ يمثل موقف "حماس" بالاستنكاف عن المشاركة، محاولة للاستمرار في ضرب الجوهر الديمقراطي للانتخابات، والإضافة الخطيرة في موقفها، هي الرفض الحاد والواضح لوحدة الكيانية الفلسطينية نواة مشروع الدولة. وأي ظلم آخر، يلحق بالحركة، سينسحب سلباً على مشروع هذه الدولة الفلسطينية، لصالح مشروع تقسيمي، تختص فيه "حماس" نفسها بقطاع غزة، وتدفع الأمور في اتجاه ظروف مواتية لإنهاء السلطة في الضفة، أو تقاسم وظيفي تشارك فيه وتساعد عليه قوى إقليمية بدعم أمريكي إسرائيلي. إن هذه المسألة بدأت تنكشف دون أن يجدي معها أي كلام غليظ عن "مقاومة" مزلزلة، أو شعارات عريضة، لا سيما وأن سلوك حكم الأمر الواقع في غزة، ينضح بالبراهين المضادة لكل الشعارات..!

كنا نتمنى أن نخوض أي استحقاق انتخابي موحدين، وأن يعي الذين خرجوا عن قرار الحركة، أن الأمر خطير وأعقد من أن يتجاوزا عنه لدوافع شخصية أو عائلية. من هنا، استحقوا الفصل من الحركة، وإن كان ذلك ليس إجراءً من شأنه تقليل الخسارة. فقد خسرناهم من حيث ينبغي أن يكونوا عوناً للحركة لا عوناً عليها. وسوف تتشتت الأصوات، وسيكون شكلنا محزناً. وأعترف بأن تواضع حجم العمل التنظيمي والتثقيفي، للحركة، كان أحد الأسباب التي أنتجت مثل هذا المشهد المقلق. لكن الإجراء الحركي بالفصل، كان ضرورياً لتحجيم الظاهرة، ولإظهار الثقة بالنفس للجمهور الفلسطيني، وهذا مهم جداً، في هذا الخضم العسير، حيث يتزامن انسداد الأفق والمصاعب الاقتصادية، والتهديدات الإسرائيلية؛ مع ممارسات تدفع الى تراجع مشروع الدولة الفلسطينية والى تبدد الورقة السياسية الفلسطينية..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com