2012-10-04

الإنتخابات المحيلة تكشف عورة "فتح"..!!


بقلم: زهير حمدالله زيد

تشهد الضفة الغربية هذا الشهر إنتخابات محلية تأجلت لأكثر من مرة، ولأسباب عدة، وقال كلٌ كلمته بها، السلطتين التنفيذية والقضائية، الفصائل الوطنية والإسلامية والمستقلين، لم يبقى مواطن لم يدلي بدلوه في هذه القضية، والسبب أنها تجري في وقت عصيب، فيه شرذمات وتقطيع أوصال، ليس فقط لجغرافيا شبه وطن، بعد لطمة الواقع المرير الذي وضع لنا حدود غير الحدود التاريخيه، بل أيضاً لديموغرافيا مفصولة عن طبيعتها التكاملية، فهذه إنتخابات في نتفه من الوطن لجزء يسير من الشعب، ورغم ذلك بقايا هذا الوطن، تعاني الشقاق والخلاف والتمزق، فغزة مسروقة ومفروض عليها الرأي الواحد، الرافض حتى القبول بالنقاش بهذا الموضوع، والضفة تعاني الإستنكاف من جزء متأثر بموقف فصائلي، ومن تبقى أصلاً من المؤيد لإجراء هذه الإنتخابات غير موحد لا في الشكل ولا في المضمون.

الغاية من وجود مؤسسات الحكم المحلي، توزيع مسؤوليات وإفساح مجال للمشاركة الأوسع أفقياً في تطوير المجتمع المحلي وخدمته، وبرامج المهتمين وتلبيتها لإحتياجات المواطنين هي المعيار والمقياس للنجاح أول الفشل، كونها ليست إنتخابات وطنية شاملة، تحكمها برامج سياسية تتعلق بالوطن ككل، وأبداً لن يذهب المواطن العادي في مثل هذه الإنتخابات إلا لمن يلبي إحتياجاته ويحقق له خدمات أفضل.

ما يجري في حالتنا، شيء مغاير، القوى السياسية تتناحر وكأن مقياس قوتها تحسمه وتحدده هذه الإنتخابات، و"فتح" التنظيم السياسي الأقوى في هذه الإنتخابات، خاصة في ظل تغيب "حماس"، تعيش الحالة بشكل مقلوب، تُسيس هذه الإنتخابات بتدخلات مستوياتها القيادية المختلفة، وتنقل الصراع والخلل في داخلها للمستويات الدنيا حتى بين الأعضاء، لم تستعد أصلاً، لا في إعادة ترتيب بيتها الداخلي بعد الإنقلاب ولا بعد مؤتمرها العام، ولا في التحضير للإنتخابات بشكل واقعي، وهي تعيش الحالة نفسها ومنذ زمن بعيد، ترهل وإنكشاف، وتسرع في إصدار القرارات، وفقدان لأبسط درجات القدرة على الإستشراف المستقبلي، صفات وسمات تنظيمية أبداً لم تشهدها "فتح" إلا بعد تنعم عناصرها وكوادرها وقياداتها بمباهج السلطة.

الإنتفاضة القيادية في "فتح" الداعية للمحاسبة لكل من يخرج عن القرار ولا يبدي إلتزاماً وإنضباطاً، لا تعدو كونها خطوة غير صحيحة وغير دقيقة، لا زماناً ولا مكاناً، فلم تناقش ولم تتبنى إستراتيجية عمل خلاقه، تراعي كون الإنتخابات محلية وبرنامجها يجب أن يكون خدماتي، تتلقف فيها التنظيمات الأشخاص القادرين والمستعدين والمقبولين شعبياً، لتتبناهم كأشخاص وكبرامج تتلاءم مع الجغرافيا والديموغرافيا، فالأجدر أن تُبعد الوجوه التنظيمية فاقعة اللون بكل خيرها وشرها، وتنتظر من يتقدم لها من قادة ميدانيين أكفاء طالبين مساندتها لتتبناهم، وتضيف لكادرها وتنظيمها من هؤلاء كوجوه جديدة ترقى وتتقوى بهم.

التجربه خير برهان على تحديد الصواب والخطأ، ولنا في "فتح" تجارب للأسف حتى الآن لم نأخذ منها العبر، الترهل التنظيمي، أسبابه ومقومات علاجه، لم تحدد رغم إدراك الجميع لفداحة النتائج والخسائر، إتخاذ القرارات المتسرعة وعدم القدرة أو عدم توفر الرغبة في الإلتزام بها شأن آخر، يلقي بظلال سلبية تُظهر مدى ضعف الحركة وعدم قدرتها على إتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، والإنتخابات عام 2006 وما أدت إليه نتيجة عدم إلتزام الفتحاويين بالقوائم والمرشحين التنظيميين، وقرار "فتح" بفصل الأعضاء الذين رفضوا الإنصياع والإنضباط التنظيمي، ولم يُنفذ القرار، حتى أن بعض هؤلاء عاد لمهام وظيفيه وتنظيمية بمباركة قيادية، وكذلك القرار الذي تلا الإنقلاب في غزة ودعا الموظفين للإستنكاف، مما دفع "حماس" لممارسة سياسة الإحلال الوظيفي دون حدود، وفي كلا الحالتين بدا التسرع واضحاً، ولم تُقدر النتائج والعواقب.

سر نجاح التنظيمات والأحزاب يكمن في مدى تلاحمها ووحدتها، ومدى إلتزام وإنضباط عناصرها، ولن ننسى أبداً حكمة قيادتها وحنكتها لما لهما من دور في تحقيق كل ما سلف، مع ذلك، التلويح على الدوام بالعصا وعدم إظهار فعلها وأثرها، يفقدها قوة الردع، ويفقد حاملها الهيبة، و"فتح" بقرارها هذه المرة بفصل كوادرها تستخدم وسيلة فقدت تأثيرها وهي أصلا فاقدة لهيبة قيادتها، التي أصلا لم تستطيع تنفيذ شيء مما تبنته بعد مؤتمرها العام، إضافة لذلك يمكن القول أن هذا القرار سيطرح للنقاش وقد يتم إلغائه تحت وطأة نتائج هذه الإنتخابات، حين تبدأ مرحلة تحديد التوليفات والتحالفات في المجالس المحلية لتحديد المهام والرئاسة وما إلى ذلك، كون الحاجه ستكون ماسة لمن نجحوا في الإنتخابات خاصة من المفصولين، فهل حينها ستتراجع القيادة عن قرارها جملةً وتفصيلاً؟ أم سيكون الأمر إنتقائياً وعلى المقاس؟ نابلس نعم ورام الله لا، جنين لعم والخليل سنرى، أم ماذا؟ هل لـ"فتح" أن تعيد النظر في قراراتها قبل فوات الآوان؟ وزيادة الطين بلة، برفع مستوى الفلتان بفقدان الرادع بعد حتمية التراجع.

الأجدر لـ"فتح" الإستفادة من تجربة الإنتخابات المحلية السابقة ونتائجها، وهناك مثالان جداران بالدراسة والتفقد، على "فتح" بالتحديد أخذ العبرة منهما، الإنتخابات السابقة لبلدية عنبتا وبلدية الإتحاد.. والأهم ترك الإنتخابات المحلية لطبيعتها، وإبعاد السياسة عنها، أولى للسياسة وأولى للحكم المحلي، فالسياسة والسياسيون أمامهم مهام وطنية جسام، تستحق كل الجهد وكل التفكير، والتنظيمات وبالتحديد "فتح" التي تنكشف عورتها في هذه الإنتخابات، عليها إعادة النظر في أسس بنائها التنظيمية وقواعدها حتى يستطيعوا مواجهة حالات الفلتان التنظيمي التي تهدد بقائها أصلاً، لكن ليس بشكل مرحلي وإنتقائي.

* أسير محرر ومستشار أول في سفارة فلسطين بالهند. - zuhairthth@gmail.com