لاحظنا، كما غيرنا، أن الاحتجاجات الشعبية على الغلاء وسوء المعيشة، لم تقتصر على الضفة الفلسطينية وحدها، بل شهدت غزة وقطاعها تحركات مشابهة وصلت إلى حد أن أحد المواطنين، ويأسا منه، أحرق نفسه، إذ فضل الموت على الحياة المذلة.
ولاحظنا، كما لاحظ غيرنا، أن الأوضاع المعيشية في الضفة كما في غزة، تعاني تعقيدات وصعوبات، بسبب الغلاء، وارتفاع الضرائب، والبطالة، وسوء الخدمات أو غيابها.
السلطة في الضفة ذهبت في تبرير الوضع، إلى رمي المسؤولية على عاتق الجهات المانحة التي تخلفت عن تسديد تعهداتها المالية، وخصت بذلك الدول العربية "الشقيقة". وقرأنا هذا التبرير، على أنه محاولة للتملص من المسؤولية ودفاعا عن نظام اقتصادي لا يوفر العدالة الاجتماعية للمواطنين.
أما حكومة حماس، فذهبت هي الأخرى مذهبا تبريريا، حين رمت بالمسؤولية على الحصار المفروض على القطاع، وتناست التصريحات التي لم يجف حبرها بعد، على لسان إسماعيل هنية ويتحدث فيها عن انتصار القطاع على الحصار، وتجاوزه تداعياته، وصموده في وجه الإجراءات الإسرائيلية.
ويبدو أن الطرفين لم يكتفيا بالتفسيرات التبريرية، فذهبا أبعد من ذلك حيث لجآ إلى حديث "المؤامرة".
السلطة في رام الله تحدثت عن مجموعات مندسة، تغلغلت في صفوف المحتجين، تستغل تحركاتهم، لتحرف هذه التحركات عن أهدافها الحقيقية، ولتدس في وسط الهتافات، ما يدعو إلى إسقاط ليس رئيس الحكومة فحسب، بل وكذلك رئيس السلطة، وأعادت السلطة في رام الله هذا السلوك إلى حالة الانقسام التي تعانيها الحالة الفلسطينية، واتهمت عناصر "حماس" ومناصريها بأنهم استغلوا هذا التحرك ليلحقوا بالأوضاع في الضفة تخريبا في الاعتداء على الأملاك العامة والخاصة.
وكأن السلطة في رام الله تريد أن تقول إنه لولا "مؤامرة" حماس لما كان هذا الحراك على هذه الحدة التي رأيناها. بل ذهب البعض إلى حد تحميل "حماس" وحدها مسؤولية هذا الحراك، ما يدعونا للسؤال ـ حقا ـ لو كانت "حماس" قادرة على تحريك كل هؤلاء ضد السلطة في الضفة، لاستحقت أن تتولى هي السلطة لأنها بتحريكها كل هؤلاء، تكون قد احتلت موقع القيادة الحقيقية والفعلية للحركة الشعبية.
وكما في الضفة كذلك في القطاع، سمعنا حديثا عن "المؤامرة"، بل إن بعض أصحاب الخيال الواسع، ذهب بهم خيالهم إلى الحديث عن "الغرفة السوداء"، أو عن "غرفة عمليات"، أنشأتها "فتح" في الضفة، كانت وظيفتها تحريض الناس ضد "حماس" وضد حكومة هنية. وهو ما يدعونا كذلك لنقول إذا كانت "الغرفة السوداء" لحركة "فتح" في الضفة نجحت في تحريك الشارع في غزة، فمعنى ذلك أن الشارع يؤيد "فتح" وأن حكومة "حماس" موجودة رغم إرادة الناس ورغبتهم.
* * *
حديث "المؤامرة" يكشف، لدى الطرفين، نظرة معينة للحركة الشعبية، تعكس منهجا في التعامل مع هذه الحركة وآليات ذات صيغة ترتبط بتلك النظرة وذلك المنهج.
فالطرفان، ينظران إلى "الجماهير" على أنها مجرد كتلة "خاصة"، تتحرك عند الحاجة إليها، وتتوقف عن الحركة عندما تؤمر بذلك، يتم استدعاؤهاـ بأساليب مختلفة ـ إلى التظاهرات، والمهرجانات، تهتف هتافا واحدا، هو هتاف من استدعاها، وترفع شعارا واحدا، هو شعار وضعه من استدعاها، وتصفق للخطباء الذين استدعيت للاستماع إليهم، تصفق عند الإشارة، ويتوقف تصفيقها عند إشارة أخرى. "الجماهير" كتلة تستدعى عند الانتخابات، لتصوت، في الموسم الانتخابي، كي تنجح من استدعاها. وخلاف ذلك مطلوب من هذه "الجماهير" أن تتوارى عن مسرح السياسة. وأن لا يكون لها رأي في السياسة، فهناك من يفكر عنها، ويقرر عنها، وما عليها سوى أن تتقبل ما يقرره.
لذلك عندما خرجت "الجماهير" عن الطاعة، وأرادت أن تعبر عن إرادتها الحرة، وأن تعلن مطالبها المحقة، وأن تطلق صرختها في وجه من يتسلط عليها، كان على المراجع العليا أن تختار بين تفسيرين: إما أن تعترف أن سياساتها المتبعة لا ترضي الحركة الشعبية، ولا تخدم مصالحها، وبالتالي عليها أن تعيد النظر بهذه السياسة وأدواتها وآلياتها، لتلتقي مع المصلحة الوطنية للحركة الشعبية، وإما (خلافا لذلك) أن تنكر على هذه الحركة الشعبية حريتها واستقلالها، وإرادتها الواعية، وأن تنكر عليها قدرتها على تلمس مصالحها، وقدرتها على بلورة هذه المصالح في مطالب وشعارات وهتافات سياسية واقتصادية، ذات مضمون طبقي اجتماعي. تنكر عليها حقها في التظاهر في الوقت الذي تراه هي مناسبا لمصالحها وليس لمصالح من هم فوق. تنكر عليها حقها في أن تعتصم في الوقت الذي تراه هي مناسبا لمصالحها وليس لمصالح من هم فوق. تنكر عليها إنسانيتها، وحاجاتها اليومية، بل وتتفاجأ بأن هذه "الجماهير" التي كانت تعتقد أنها روضتها، وإنها سيطرت عليها، بشكل أو بأخر، وبأنها حولتها إلى آلة تحركها متى تشاء وبالاتجاه الذي تشاء، قد خرجت عن الطوق، ونمت وكبرت وأصبحت قادرة على تجاوز الخطوط الحمر التي رسمت لها.
وحتى لا تعترف بهذا كله، في احتقارها للحركة الشعبية، وعدم احترامها وتقديرها، تراها تلجأ إلى تفسير موارب، تختفي خلفه، تستر به عجزها، فتتحدث عن "المؤامرة"، وتحول القضية المطلبية المحقة، وتحول التحركات الشعبية بمطالبها الاجتماعية، كالخبز، والصحة، والعلم، والعدالة الاجتماعية، والعمل، واللقمة الشريفة، إلى قضية أمنية. وبدلا من أن تعيد النظر بسياستها الجائرة، تذهب للتحقيق بحثا عن خيوط المؤامرة، لتكتشف من حرض، ومن قاد، ومن هتف، ومن صاغ الشعار، لتصوغ لكل من هؤلاء جذرا سياسي، يذهب نحو الخصم، وكجزء ممن صاغوا "المؤامرة" وحاكوها وعملوا على تنفيذها. ثم يتم رفع السقف، لتصبح هذه "المؤامرة" ضد الوطن، وضد الشعب، وضد المصلحة الوطنية وليست مؤامرة تستهدف الحاكم والمسؤول وحدهما.
* * *
طبعا لا نستطيع أن نفصل بين موقف السلطة في رام الله، وتسترها خلف "المؤامرة" وموقف "حماس" في غزة وتسترها خلف "الغرفة السوداء"، وبين حالة الانقسام التي تسود الحالة الفلسطينية. وواضح أن الانقسام ينعكس بسلبياته على الحركة الشعبية كما ينعكس على باقي المصالح الوطنية. وإسراع الطرفين إلى التستر خلف حديث "المؤامرة" و"الغرفة السوداء" و"العناصر المندسة"، يعكس في جوهره أن إرادة الانقسام ما زالت تتغلب على إرادة المصالحة واستعادة الوحدة الداخلية. وإلا فكيف نفسر أن خلافا بسيطا، أحيانا، ينسف بسهولة قصوى ما كنا نسميه "الأجواء التصالحية" التي سادت الحالة الفلسطينية لبعض الوقت، وكيف نفسر أن هذه الأجواء التصالحية سرعان ما تنهار أمام تصريح ينطلق من غزة، أو من رام الله، وتشتعل بعد ذلك حرب التصريحات والتصريحات المضادة، ويحمل كل منهما الآخر مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع من تدهور، ومسؤولية تعطيل ما تم الاتفاق عليه في آخر لقاء بينهما.
وهذا ما يفسر، كذلك، كيف أن في الحوار الجماعي، حيث تلتقي الفصائل كافة، يسهل الوصول إلى اتفاقات وحلول لإخماد نار الانقسام، والعمل خطوة خطوة نحو استعادة الوحدة الداخلية. وكيف، بالمقابل، حين يجتمع الطرفان، ليبحثا في ما يسمى تفاصيل وآليات تطبيق ما تم الاتفاق عليه جماعيا، تندلع الخلافات مجددا بينهما، بل ويلجآن، معا، إلى إدخال تغييرات وتعديلات على الاتفاق الجماعي، سرعان ما تتحول هذه التغييرات والتعديلات، التي أدخلاها، من وراء ظهر باقي القوى، ودون استشارتها، إلى مادة جديدة للخلاف، ومادة جديدة للصراع وتبادل الاتهامات.
الانقسام علة. تحتاج الحالة الفلسطينية الخلاص منها، حتى لا ننجر، نحن أيضا، نقول إن هذا الانقسام هو "المؤامرة" الحقيقية التي تستهدف الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.