2012-10-03

الربيع العربي مرة أخرى..!!


بقلم: حيدر عوض الله

كما تتفاجأ مصر بالقاهرة، أو تونس بقرطاج، تفاجأ من "تفاجأ" بأن تقع أولى ثمار الثورة في أحضان الإخوان المسلمين..! ولو وقعت الثمرة في أيدٍ أُخرى، لكان هذا أجدر وأحق بالمفاجأة.

التاريخ العريق للاستبداد ذي النكهة الشرقية، الذي مارسته الحكومات التي اغتصبت السلطة باسم الثورة، أو الإصلاح وبالانقلابات العسكرية "التقدمية"، على النظم الملكية "الرجعية"، قد دمر إلى حد بعيد الحياة السياسية، باعتبارها التكثيف المباشر لحياة مجتمعاتها على اختلاف مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية... إلخ.

وعطلت بقوة "الدولة الوهمية"- التي لم يتضخم فيها سوى أجهزتها البوليسية والقمعية- الصراعات بين الكتل الاجتماعية الكبيرة عبر الرشوة، وتحويل الاقتصاد السياسي إلى اقتصاد كمبرادوري قائم على المضاربات والرشوات والاحتكارات، التي ساهمت في رفع مكانة قوى هامشية، هي قوى القاع، على حساب القوى الاجتماعية الرئيسية والفعالة في المجتمع، وأبرزها الطبقتان الكادحة والوسطى. هذا التشويه التراكمي الذي أدارته قوى طفيلية وهامشية في المجتمع خلق تشوهات هائلة امتدت إلى الحقلين الاجتماعي والسياسي، فأنتجت بنية فوقية مشوهة، بحكم موقعها السياسي المغتصَب، معادلة للتشوه الحاصل في حياتها الاقتصادية "بمعنى أن القوى التي كان بإمكانها الصعود للسلطة استناداً إلى دورها ومكانها في الاقتصاد، قد انحسر في ظل "الاقتصاد الوهمي" لصعود قوى هامشية أدركت بحسها الطبقي الوضيع أن استمرارها في السلطة يأتي من خلال تكريسها لـ "الاقتصاد" المبنى على السمسرة والمضاربات، ولعب دور القواد في فتح بلدانها لرأسمال المضاربة والبورصة.

هذا الاقتصاد المشوه لم ينتج بنية سياسية فوقية مشوهة واستبدادية فحسب، بل مكّن قوى أخرى منافسة لها في السلطة، لكنها متساوقة معها في الفلسفة الاقتصادية، من احتلال القاع الاجتماعي، وبناء منظومة اجتماعية واقتصادية وقيمة مغلقة، تحمل الفلسفة الاقتصادية نفسها، ولكنها تطمح للسلطة، ألا وهي حركة الإخوان المسلمين.

لقد بدا الإخوان المسلمون في قرض تدريجي للدولة العربية المشوهة من خلال إدارة اقتصادها وحياتها الاجتماعية بغلاف سميك من التعاويذ الدينية، مدركة أن الوصول إلى السلطة يبدأ باحتلال متدرج لمواقع مؤثرة في الاقتصاد الطفيلي، يتبعه احتلال متدرج في بنيته الاجتماعية والمدنية، من خلال السيطرة على مؤسسات ما يسمى المجتمع المدني، مثل النقابات وبناء شبكة من "الجمعيات الخيرية" التي تمكنها من تبييض أموالها، وبناء قاعدة اجتماعية قوية في أوساط الهوامش الحضرية، وأحزمة  الفقر، يؤهلها لحصد السلطة السياسية في اللحظة المناسبة. هذا يعني، باختصار، صعود قوة سياسية تمثل الابن الشرعي للاقتصاد السياسي المشوه، الذي خلق مجتمعاً مشوهاً على شاكلته، ألا وهي الإخوان المسلمون.

 لقد تردد الإخوان المسلمون في الانخراط في الثورة في بدايتها، وهو تردد يفسره  خوفهم المتأصل من حركة ثوره تطيح بركائز البنية الاقتصادية والاجتماعية، وما سينجم عنها حتماً من صعود قوى أصلية جرى سحقها في زمن النظام المنحل، وفي مقدمتها الطبقة الوسطى.

إن الصعود السياسي في حركة الإخوان المسلمين يمثل النهاية المنطقية لحقبة كاملة من التشوهات. والسؤال المطروح اليوم بقوة على الثورات العربية: هل تكتفي بالإطاحة برموز العهد القديم، وهي تعرف أن الحكام الجدد لم ولن يفعلوا سوى استبدال الأقنعة مع الإبقاء على ركائز الاقتصاد السياسي والاجتماعي الذي حملهم إلى السلطة؟

أنا على قناعة شبة أكيدة بأن الثورات العربية مستمرة، وستنتقل من طور إلى طور ومن مرحلة إلى مرحلة، وفي إطار معاركها اليومية لإنجاز أهدافها، ستصبح أقل سذاجة وهي تقارع القناعات الجديدة، وستتعلم أن الظفر بالسلطة السياسية لن يتأتى لها إلا بدك كل أساس وقواعد البنيان القديم. فالثورة مستمرة.. مستمرة.

* كاتب فلسطيني، عضو المكتب السياسي لحزب الشعب- رام الله. - haider_awwad@yahoo.com