التقيت صديقي زياد أبو شاويش عند ضريح جمال عبد الناصر في يوم ذكرى رحيله. لم يكتف بالمصافحة بيننا وسط الزحام. أصر على العناق، فنحن صديقان لدودان. عاش زياد شطر حياته منذ الشباب اليافع حتى خريف العمر، في فصيل يساري، وكان معتمد هذا الفصيل في الشام، قبل أن يختلف مع قيادته أو تغضب منه وعليه. يبدو أنه ظل يتدبر أموره بمغالبة الحياة والتحايل على المصاعب. ففي الشام التي يحكمها مستبدون فاسدون، لا بد أن تكون لك لغتك ومفرداتك البارعة، التي تفتح المغاليق. وأبو شاويش الظريف، عندما خسر صفته الفصائلية، لم يتخل عن دوره، فظل يخدم كيفما استطاع، ويكتب في السياسة، ويتأبط أحلامه. لكن مشكلته أنه أدمن قوالب الكلام التي تجعل لسوريا الحكم، وسوريا الوطن، معنى واحد، له دلالات الممانعة والتصدي، ومواصفات الصخرة التي تتحطم عليها كل مؤامرات الدنيا..!
أصر الصديق على اصطحابي الى حيث يقيم وحده. لكن كل تفصيل في سياق حياته وتقاطعاته، يُنشيء مفارقة ويفتح باباً للدعابة والنقاش. كان يتعجل الوصول، لأن شاباً من الذين ينزحون من سوريا، كان في انتظاره على باب البناية، بعد وصوله براً الى القاهرة. وزياد يريد تأمينه في اليوم التالي، للوصول الى موقف حافلات النقل البري الي ليبيا، التي يقصدها بحثاً عن عمل. وفي الشقة اشتعل النقاش معه حول الوضع في سوريا. هو على سرير النوم المتوافر وأنا على الكرسي، والضيف على كرسي آخر. صار يصرخ. يعلو ويهبط، والعبارات تتدفق في رسم فظاعات يرتكبها المعارضون من الجيش السوري الحر وسواه. وكنت أغلظ له القول، كلما اقترب من امتداح أحمد جبريل أو حاول أن ينفي صحة الأنباء الواردة عن دوره. ومع إغلاظي القول لزياد، كان يقوم ويقعد مرات ومرات في الدقيقة الواحدة بانفعال شديد، ومحسوبكم يستمتع بهيجانه. وكلما أحس الظريف بالإرهاق، ، كان يلجأ الى تهدئة اللعب، فينوّه الى أنه سُجن مرتين في سوريا، وأن الحل الأمني غبي، وأن النظام شديد القسوة والبطش. لكن خصومه موبوءون. يبدأ في تعداد خصوم النظام السوري بسرعة، وهو يحفظ أسماءهم وبلدانهم ومحطات تلفزتهم، عن ظهر قلب. وأنا، بدوري، اذكّره أنه ممن اعتنقوا نظرية علمية، وأن هؤلاء ليسوا هم جوهر المشكلة، حتى وإن حضروا بقوة في مشهد الصراع..!
* * *
بعد يومين، هاتفني زياد، وقال إنه في مقهى يقع في مستطيل خلفي كبير، بين أربع بنايات قديمة كبرى، يمر اليه الرواد، من مدخل فندق "اسكاربيه" القديم في شارع فؤاد وسط المدينة. ضجيج المقهى، ينقطع كلما مرت راقصة تتبختر، قاصدة مدخل إحدى علب الليل المسكونة في المساحات العليا الخلفية. اشتعل النقاش مرة أخرى، وتخللته لقطات طريفة، لأن زياد كان يجلس مع اثنين قادمين من غزة، هما إبنا خالتين له. ففي كل "زنقة" نقاش، كان يتوجه الى واحد منهما ويقول: ولا أنا غلطان يا ابن خالتي؟ كان يستعين بهما بالتناوب، وهما لا يُجيبان، لأن فلسطين حزينة على حلب ودمشق وحمص ودير الزور وحوران وسواها. أما إن تفاقم الحديث، متزامناً مع مرور راقصة، فكان ينبهني الى أن واحدة أخرى قد "أشرقت" ويعلق بعبارات ساخرة، كأنها استراحة الغاضب..!
كان لا بد لإبنيْ الخالتين من حديث. قالا له في الختام، والله يا ابن خالتي احنا مع رأي صاحبك، وليس مع رأيك. هكذا أيضاً قال له ضيفه النازح من سوريا الى ليبيا..!
عندئذٍ اقترح زياد أن نخرج معاً ببيان مشترك، وبدأ يتلوه ارتجالاً كأنما أعده مسبقاً كحل أخير. تناول ورقة بيضاء وأعطاها لي وقال اكتب يا صديقي..!
نحن عدلي صادق وزياد أبو شاويش، نعلن كصديقين وكاتبين فلسطينيين، أن حل الصراع في سوريا، لن يكون بغير النقاط التالية:
أولاً: إن النظام السوري الحاكم، ينبغي أن يتغير، إذ لا يمكن له أن يستمر في الحكم بعد كل الذي جرى، ويتوجب أن يحظى الشعب السوري الشقيق، بنظام حكم ديمقراطي تعددي، يستند الى دستور عصري، على قاعدة كل ضمانات المواطنة والحرية.
ثانياً: يجب أن يتوقف العنف الذي تتحمل الدولة السورية المسؤولية الأكبر عنه، مع الإقرار بأن هناك تدخلات خارجية، كانت سبباً في انسداد الأفق الى تسوية الوضع ووقف النزيف.
ثالثاً: ينبغي أن يرعى الحل في سوريا، وسطاء نزيهون، لم تكن لهم أدوار في تعذية الصراع ولا في دعم أيٍ من الطرفين فيه.
رابعاً: ينبغي التأكيد على أن شهداء الشعب السوري، الذين سقطوا في التظاهرات السلمية، هم الصفوة المبّجلة ذكراها، وهم أشجع الناس رجالاً ونساءً، إذ عبروا عن مطالب الشعب السوري العادلة، في الحرية والكرامة والديمقراطية.
خامساً: مع بدء الحل الذي يدعو اليه الطرفان المتفقان على هذا البيان؛ ينبغي أن ينسحب الجيش العربي السوري الى مواقعه، مع التأكيد على أن معركته الوحيدة هي مع الاحتلال الإسرائيلي، وأن غايته هي التأهب للخوض في أي حرب مستقبلية مع إسرائيل.
سادساً: يتوجب التأكيد على أن أي حل سياسي، لا بد أن ينأى عن الاعتبارات الطائفية والمذهبية، وأن يضمن بقاء سوريا موحدة.
سابعاً: إن الحل السياسي القابل للاستمرار، الذي سيلقى ترحيب كل الشعب السوري، هو ذلك الذي يؤكد على الاحترام المتبادل وحُسن الجوار، بين سوريا وجميع جاراتها، وأن لا تتدخل دول الإقليم في الشأن السوري الداخلي..!
* * *
وافقت على البيان، في الوقت الذي مرت فيه راقصة لولبية، استثناها صديقي هذه المرة من سخريته ولم يعلق على ظهورها، فتشاءمت وتذكرت اللف والدوران، لكنني مع ذلك أحسست بمشاعر مزدوجة اختلط فيها ارتياحي، للتوصل الى صيغة معقولة، مع أحد كواسر النقاش المضاد، بالقلق من وجود ثغرات في النص، ربما تنسّل منها الخطيئة، مثلما تنسّل الراقصة بخطى لئيمة ومفتعلة، الى حيث يكون فجورها، فيربح الطغاة وقتاً وهامشاً للمناورة. كانت النتيجة مقبولة، على الأقل، لأن صديقي سوف يهدأ قليلاً، ويدخل في حديث آخر ربما تصحبة أصوات مرسلة، لطبول تُقرع، في المساحات الخلفية..!