2012-10-01

مشعل وإضاءة على الواقع..!!


بقلم: عدلي صادق

أضاء رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" مشهد هذه اللحظة، من تجربة حركته "الإخوانية" ليؤكد هذا المشعل، بأن له من اسمه نصيب..!

رُب قاريء سطحي، يظن إننا لا نتمنى الوحدة والوئام الداخلي لـ "حماس" ويعجز عن تعيين الفارق بين حرصنا على منتسبي الحركة ودمائهم وكرامتهم، باعتبارهم جزءاً منا كمجتمع؛ وغضبنا من سلوك هذه الحركة على الأرض في غزة، أي على صعيدي منهج العمل الاستعلائي، والمفتقد في العديد من الممارسات والتفوهات، للحساسية الوطنية، التي تتوخى المصلحة العليا لشعبنا، واستسهال القتل والبطش بالمنافسين السياسيين، دون مسوّغات قانونية وأمنية، ومحاولة طمس تاريخهم، وإهانة رموزهم التي بذلت المُهج، على مر عشرات السنين من النضال.

لكننا، في الواقع، نخشى على منتسبي "حماس" من الأذى ومن الفُرقة، وإن كنا نتمناها سلامة ووئاماً على قاعدة القراءة المسؤولة والصائبة للوضع الفلسطيني والإقليمي والدولي، ولعلنا نثق بأن هذه القراءة ستغلب في النهاية بمفاعيل الواقع، لا سيما عندما يكون زعيم الحركة، رجلاً له رجاحة عقل وذكاء وثقافة خالد مشعل، وحساسيته الوطنية، وفعاليات حضوره الناجعة.

نحن مجربون. فمحسوبكم كاتب هذه السطور، ومعه كثيرون من "فتح" لم "يقبضوا" حرفاً واحداً، من العملية السلمية المخادعة في أوج تفاؤل المتفائلين بها. لكن المواقف والسياسات ومناهج العمل، لا تتأسس على التشدد اللفظي، بل إن بعض أصحاب هذا التشدد، في مراحل سابقة، عندما حاولوا تأسيس أدوار وانتهاج سياسات، على قاعدة تشددهم؛ وجدوا أنفسهم في معسكر الشيطان. ربما آووا الى ذلك المعسكر الذميم، على مضض في البداية، ثم استحالوا سعداء منتعشين. فأبو نضال البنا ـ مثلاً ـ زاود على القيادة الفلسطينية، واتهمها بالتفريط وحصل على مقومات تأسيس حالة "نضالية" بديلة. لكن السياقات الطبيعية للحالة، أخذته الى أقبية العسس من كل لون، فاستأجرت الأجهزة بندقيته وعناصره، وزاد اغترابه عن فلسطين وعن حساباتها. وعندما أدمن اللعب على الحبال الخطرة، بدأ يتعمق في الممارسات الغادرة، حتى بلغ الأمر طعن الدول والحكومات نفسها، التي صدقت أنه يتشدد مبدئياً. فالجزائريون مثلاً، قرروا استيعابه مثلما أنصفوا كل ألوان الطيف الفلسطيني، ثم اكتشفوا ما اذهلهم، وهو أنه يتجسس عليهم ويبيع المعلومات لأجهزة دول أخرى. وتحتاج تجربة البنا الى بحث علمي يتناول هذه الظاهرة الكذابة التي أهدرت الدم الفلسطيني، وربما يتاح مثل هذا البحث، بعد أن تنعم الأقطار العربية بحريتها الكاملة وتنفتح الملفات. ولا يخفى على المتابعين، أن خواتيم أعمال صبري البنا، كانت كاريكاتورية ومناقضة بشكل مضحك، لكل النصوص المعلنة، كذريعة لتأسيس التنظيم المتشدد، دونما واقع إقليمي ودولي يساعد على تنفيذ أجندات قصوى. ففي ذروة الهجوم على الشعب الفلسطيني، من حكومات عربية، في أوقات الاحتراب العربي العربي؛ افتُتحت له المكاتب وقُدمت له التسهيلات، وصار هو الطرف الفلسطيني المقبول، بنصائح أمريكية استخبارية، وعندما تفاقم مرض السرطان الذي أصابه، لم يشفق عليه ويُحسن وفادته، سوى نظام مبارك، قبل الدخول خلسة الى العراق، ظناً منه أنه سيتمكن من خداع النظام العراقي مجدداً، مستغلاً الحصار وحاجة العراق آنذاك لأية قوة مساندة. لكن العراقيين كانوا على علم بعلاقته مع "سي آي إيه"، لذا فقد أجهزوا عليه..!

ومع الاعتذار عن الإطالة في موضوع صبري البنا، نقول إن تلك التجربة، التي شهدتها "فتح" تُعد أكثر من كافية لتنبيه كل القوى الفلسطينية، الى مخاطر ظواهر التشدد اللفظي التي تضغط لخلق أمر واقع، يتمسك ظاهرياً بالمطلقات، بينما جوهره ينم عن التوغل في والإثم، وفي مباهج الحياة، ويتوخي السلامة بأي ثمن، وصولاً الى بيع الحالة، مرات ومرات، لكل من يشتري.

*   *   *

المجموعة الحمساوية المتشددة لفظياً، والمناوئة لخالد مشعل؛ تقامر بوحدة الحركة وبمكانتها الأدبية، عند قطاعات شعبية عربية واسعة، تجهل تجربة الحكم الحمساوي في غزة. وهذه المجموعة ذاهبة الى فضيحتها. أما خالد مشعل فسيظل مرموقاً وسيأخذ دوره آجلاً أم عاجلاً، هو ومن يرى رؤيته، وبخاصة الرئيس السابق للمكتب السياسي موسى أبو مرزوق، والعاروري المطل على تفصيلات التجربة التركية.

هم، في غزة، يقولون علناً إن انتخاب رئيس المكتب السياسي الجديد، سيكون قبل نهاية العام. عملياً مضى أكثر من عامين، على التعطيل والإحباط المتعمد، لدور رئيس المكتب السياسي. وهذه فاجعة في التنظيمات عموماً، وفي تنظيم يقوم على السمع والطاعة بشكل خاص. ولعل هذا المستجد الفادح، يرسم بنفسه ملامح أوقاته. فعندما كانت المقاومة على أشدها، ظل مبدأ السمع والطاعة أساسياً، تحتاج اليه الحركة كحاجتها الى المقاومة نفسها. ولا ننسى كلمات الشهيد الجسور د. عبد العزيز الرنتيسي، في يوم استشهاد الشيخ أحمد ياسين، وهو يبايع مشعلاً عبر شاشات التلفزة، ويُقر بكل عنفوانه ـ رحمه الله ـ بأن لخالد مشعل عليه السمع والطاعة. لكن أوقات "حماس" الراهنة في غزة، بشواطئها العامرة ومكوسها ومداخيل أنفاقها، انتجت تشدداً لفظياً غايته الاكتفاء بمباهج الحكم، مع مضامين تتوخى سلامة الهانئين بأي ثمن..!

خالد مشعل، قرأ تفصيلات الحالة، فاختار الظفر من الغنيمة بالإياب. رأي ـ وهو محق ـ أن الانسحاب أهون عليه من الأمرين: أن يكون رئيساً بلا سمع ولا طاعة، أو أن تطفو على السطح سجالات بين رموز حركة متكتمة بطبعها على كل دواخلها. وباعتباره رجلاً عاقلاً وذا مبدأ ولديه إحساس عال بالمسؤولية، اختار الإياب، فأضاء بموقفه مشهد السجال الداخلي الحمساوي. لكن تقديرنا، هو أن معارضيه، سيؤذون أنفسهم، بعدما لا يتبقى شيء في غزة، لم يتأذ منهم، وبعد أن يصلوا الى المدى الأبعد، في الإضرار بوحدة الكيانية الفلسطينية وبالنسيج الاجتماعي، وبالوئام الفلسطيني، إن كان على مستوى الوئام والتحابب التقليدي بين الأسر والعائلات والمناطق ومنابت القرى قبل 48،  أو على مستوى الوئام بين القوى الوطنية والإسلامية. أنصح المجموعة ذات الاسطوانات المشروخة، بأن تأخذ بناصية الرُشد، لكي تربح نفسها. فخالد مشعل يُلائم الواقع العربي والإسلامي العام، الماثل أمامنا الآن، مثلما يلائم الواقع "الإخواني" العربي العام، الذي بات أكثر ما يزعجه، تغليظ الأقوال دون الأفعال، ويضحي بتديين السياسة، أملاً في تديين الدولة..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com