أثار د. إبراهيم أبراش في برنامج دائرة الحدث الذي قدمته قناة فلسطين الفضائية مساء الخميس 6/9/2012 إلى صعوبة إقامة حكومة موحدة تجمع بين الضفة والقطاع، وهو ما يعتبر أيضًا عائقًا يقف أمام طريق إتمام المصالحة، (وبالتالي يجعل قيام دولة فلسطينية من شبه المستحيلات). وإن كان د. أبراش تحدث عن أهمية إعادة تفعيل (م.ت.ف) لتكون الرابط المناسب بين شطري الوطن كبديل عن الرابط الجغرافي، فإنني أحب التذكير بمشروع أطلق عليه في حينه اسم The Arc أي القوس، لمؤسسة راند الأمريكية، اشترك في وضعه 31 باحثًا وخبيرًا في مجالات: الحكم، والديموغرافيا، والاقتصاد، والمياه، والصحة، والتعليم ...الخ؛ بهدف وضع تصوّر عام للدولة الفلسطينية، التي كانت خريطة الطريق دعت إلى قيامها نهاية العام (2005). وقد صدرت هذه الدراسة في ربيع العام 2005 في ثلاثة كتب، الكتاب الأول بعنوان: "بناء دولة فلسطينية ناجحة"، ويضم قرابة 400 صفحة، والثاني بعنوان "القوس": بنية منهجية لدولة فلسطينية"، وهي دراسة مبنية على الدراسة الأولى، ويضم 33 صفحة، والثالث يضم ملخصًا للكتابين، ويحمل عنوانًا: "مساعدة دولة فلسطينية على النجاح"، ويضم 33 صفحة. وربما يستغرب البعض صدور هكذا دراسة عن أكبر مؤسسة بحثية في الولايات المتحدة، تُعنى بشكل خاص بتقديم الاستشارات للبنتاجون، لكن سرعان ما يزول الاستغراب عندما نعلم أن تلك الدراسة ليست الأولى من نوعها، فقد سبق وأن أصدرت "راند" دراسة بعنوان: "حتمية قيام الدولة الفلسطينية".
اعتبر البحث أنه إذا أقيمت دولة فلسطينية، فإنه من المهم أن تنجح، وأن الهدف من مشروع "القوس" وصف الخطوات التي ينبغي على الفلسطينيين، والإسرائيليين، والأمريكيين، والمجتمع الدولي اتّخاذها لضمان نجاح هذه الدولة. ولسنا هنا بصدد البحث في تفاصيل المشروع، الذي يبدو أنه تم صرف النظر عنه بعد أن توقفت عملية السلام، وضرب إسرائيل كافة اتفاقياتها وتعهداتها بشأن حل الدولتين عرض الحائط، ما يهمنا أكثر طرح السؤال: إذا كان هيرتزل وضع كراسته حول الدولة اليهودية عام 1898، متوقعًا قيامها بعد 50 عامًا -وهو ما تحقق بالفعل- لتتضمن كراسته كل ما يتعلق بعوامل قيام ونجاح تلك الدولة، فلماذا يعجز الفلسطينيون حتى الآن عن إعداد كراسة لدولتهم المقبلة، بدلاً من أن يتولى الآخرون القيام بهذه المهمة نيابة عنهم؟
بصرف النظر عن ذلك كله، إلاَّ أن مشروع راند له جانب إيجابي واحد على الأقل، يتعلّق بشكل مباشر فيما ذكره الأخ أبراش.. هذا الجانب يتمثل في ربط المشروع الضفة الغربية بقطاع غزة من خلال طريق على شكل قوس، (يبدأ من جنين شمال الضفة الغربية حتى الخليل جنوب الضفة، ثم يتجه نحو الجنوب الغربي إلى غزة)، وخط سكة حديد، وبُنية تحتية تربط بين الضفة وغزة، وتفتح الباب لتنمية جديدة شاملة في فلسطين تغنيها عن المساعدات الخارجية. ليس الغرض من التعقيب على ما ذكره الأخ د. أبراش القول فقط إنه يمكن التغلب على العائق الجغرافي؛ لأن المسافة بين الضفة الغربية وقطاع غزة التي تتخللها أراضٍ تحت السيطرة الإسرائيلية لا تتعدى مائة كيلومتر، وإنما أيضًا التذكير بمشروع كان يمكن أن يتخذه الفلسطينيون (كراسة) لدولتهم لو اهتموا به وتابعوه، أو أضافوا إليه بعض التعديلات، لكن القيادة الفلسطينية -كعادتها- رمت هذه الكراسة الهامة وراء ظهرها، ونسيتها تمامًا..!