مع النجاحات الملحوظة لحركة المقاطعة وعدم الاستثمار وفرض العقوبات على دولة اسرائيل واعتبارها (خطراً استراتيجياً)، حسب بيانات وزارة الخارجية الإسرائيلة، تحاول الأخيرة، وبجهود جبارة ودعم مالي كبير، أن تجمل صورة الإحتلال وإعادة تسويقه على أنه (حضاري، ديمقراطي، إنساني، تقدمي،...الخ) ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تلجأ وزارة الخارجية الإسرائيلية الى تزوير الحقائق واستخدام فنانين، مثقفين، أكاديميين، طلاب، ورياضيين من أجل ابراز صورة (جميلة) عن هذه الدولة التي تمارس سياسات إضطهادية مركبة من إحتلال عسكري مباشر للضفة الغربية، تطهير عرقي ممنهج في القدس، حصار قروسطي محكم على قطاع غزة، وأبارتهيد (تفرقة عنصرية) مقننة ضد سكان فلسطين 48.
وفي هذا السياق تفتقت عقول من يقفون خلف هذه الحملة على استخدام اسم أحد أكبر الأندية الكروية في العالم لتبييض وجه جيش الإحتلال ممثلا في الجندي الذي أصبح إسمه معروفا في كل بيت، جلعاد شليط..!! وتم إرسال (طلب) الى نادي برشلونة، الذي يتمتع بجماهيرية تحسده عليها كل الأندية العالمية، بأن يستضيف شاليط في أهم مباراة يقوم كل عشاق الكرة المستديرة في العالم بمتابعتها، وقبل النادي أن يقوم باستضيافة الجندي دون أي مراعاة للدم المسفوك على أيدي الجيش الذي يمثله، ولا لصرخات أكثر من 1440 فلسطيني قتلوا بدم بارد قبل 3 أعوام فقط ولم يجف دمهم بعد. وافق النادي الكبير الذي يعتز بمناصرته لحقوق الإنسان أن يلعب دورا في المسرحية الدعائية التي يستخدم فيها اسمه من أجل الترويج لاحتلال هو الأطول في التاريخ، لنظام عنصري تخطى بمراحل نظام الأبارتهيد الجنوب أفريقي..!
وحينما علمت حركة المقاطعة في كتالونيا بهذا المخطط قامت بالاتصال بالنادي الذي أنكر في البداية على لسان رئيسه، ولكن بدون إصدار بيان صحفي للتأكيد. ولكن في نفس الوقت قامت الأندية الفلسطينية في قطاع غزة باصدار بيان تعرب عن خيبة أملها الكبيرة من خطوة النادي الكتالوني التطبيعية. وقام البطل الأسير لاعب المنتخب الفلسطيني لكرة القدم، والذي انتصر على الجلاد السرائيلي في معركة إضراب عن الطعام بطولية انتهت بانتصاره ليصبح رمزا للكرامة والإرادة المقاومة، بالمساهمة في صياغة هذا البيان الذي وقعت عليه معظم أندية القطاع والذي يطلب من نادي برشلونة عدم استضافة الجندي شاليط.
ومع اشتداد الحملة التي قامت بها لجان المقاطعة الكتالونية، بالتنسيق مع حملة المقاطعة الفلسطينية وجمعية مشجعي نادي برشلونة في جنوب افريقيا، قامت ادارة النادي باصدار بيان صحفي تؤكد فيه على استضافة الجندي الاسرائيلي، ولكن، وهنا مكمن الخطر، فإنها ستوجه أيضا دعوة للبطل الأسير السابق محمود السرسك لحضور نفس المباراة. وأكد النادي أنه قد أرسل الدعوة لرئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم. ومن الملاحظ هنا أن هذه الدعوة قد جاءت بعد الحملة التي قامت بها حملة المقاطعة الكتالونية والحنوب أفريقبة بالتنسيق مع الأندية الفلسطينية في غزة ممثلة بالسرسك. ولم يكن النادي ينوِ توجيه هذه الدعوة لو لم يتم طرح اسم البطل السرسك كبديل عن شاليط في حالة الغاء دعوة الأخير، وليس استضافة الاثنين في نفس الوقت. وطبعا كان حرص النادي على جماهيريته، بالذات في العالم العربي، هي ما يهمه، مع الأموال القطرية التي يتلقاها سنويا..!
ولكن رد محمود السرسك كان متوقعاً من رجل فضل الموت جوعا حفاظا على كرامته وكرامة من يمثلهم. فعلى الرغم من حبه كرويا لنادي برشلونة، والبهرجة الإعلامية التي ستحيط به، والمكاسب المادية التي ستتبعها، إلا أنه رفض قبول دعوة النادي الكبير. والسبب الذي قد لا يفهمه البعض هو نفس الدافع الذي جعل الكثيرين من رياضيي العالم يرفضون اللعب ضد رياضيي جنوب أفريقيا العنصرية. فان أي انسان ذو ضمير حي، ناهيك عن بطل أسير أضرب عن الطعام قرابة الـ 100 يوم، لا يمكن أن يقبل بان يعطي الإنطبع بأن الجلاد والضحية متساويان..! فجلعاد شليط، من ناحية، يمثل جيشاً مارس تطهيرا عرقيا ممنهجا ضد الشعب الفلسطيني، وارتكب جرائم حرب تميزت بنزعة إبادية مؤخرا في غزة، ولا يتوانى عن تحدي كل القوانين الدولية نهاراً جهاراً. في حين أن محمود السرسك يمثل شعبا مضطهَداً، انتزع من أرضه وشتت في بقاع الأرض، وتمارس ضد من تبقى منه في فلسطين سياسة عنصرية غير مسبوقة.
فهم السرسك الصورة كاملة. فالنادي الحريص على شعبيته ويريد أن يرضي (الجميع)، لا يرى أنه باستضافته الجندي الإسرائيلي يقف في صف المضطهِد، كما أشار بيان الأندية الفلسطينية من غزة. فمن وجهة نظر برشلونة فانك تستطيع أن ترضي (الطرفين) باستضافتهما (ويا دار ما دخلك شر..!) ولكن الواقع هو أن استضافة (الطرفين) هي عمل تطبيعي وبامتياز من حيت كونه يروج للانطباع الخاطئ بأن هناك (طرفين متساويين) وكل ما عليك عمله هو أن تحضرهما سوياً لابراز أنك تقف على مسافة واحدة من (الطرفين) وأن الأمر (طبيعي..!) وهل كانت معاناة نلسون مانديلا في جزيرة روبن المعزولة (طبيعية؟) وهل كان هناك (طرفان متساويان) في معادلة الاضطهاد العنصري الجنوب أفريقي؟ وهل تتساوى معاناة السرسك، لاعب الكرة الإنسان، مع من اعتقله وكان يريد قتله؟!
فهم البطل محمود السرسك اللعبة جيدا، فهو (مراوغ) من الطراز الأول ولا يمكن أن تنطلي الحيلة عليه. وبدون أي تردد رفض الدعوة على الرغم من كل الإغراءات، وأعلن التزامه الكامل، عن قناعة، بمبادئ حملة المقاطعة الفلسطينية وتعريفها الدقيق للتطبيع الذي ينص على أن (التطبيع هو المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، مصمم خصيصا للجمع (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين (أفرادا كانوا أم مؤسسات) ولا يهدف صراحة إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارس على الشعب الفلسطيني. وأهم أشكال التطبيع هي تلك النشاطات التي تهدف إلى التعاون العلمي أو الفني أو المهني أو النسوي أو الشبابي، أو إلى إزالة الحواجز النفسية...
وهكذا فان قرار السرسك بعدم التواجد في الملعب في نفس الوقت الذي يتواجد فيه شاليط هو رفض لخلق الإنطباع بأن هناك "مساواة" في تحمل مسئولية (الصراع) بين (الطرفين)..! ورفض لمبادرة (مبنية على الزيف القائم على تساوي المسؤولية في الصراع بين المستعمِر والمستعمَر، المضطهِد والمضطهَد والمضلِّلة للواقع بشكل متعمد) لأن هذه النوعية من المبادرات تسعى لتشجيع الحوار أو (المصالحة بين الطرفين) بدون الاقرار باللاعدالة وعدم تكافؤ القوى. وبالتالي فإن أي مبادرة كهذه تخدم (التطبيع مع الاضطهاد والظلم).
ان كل اللقاءات والمشاريع، رياضية أو غيرها، والتي جمعت ما بين السود الأفارقة ومضطهديهم العنصريين كان يتم وضعها في السياق الصحيح لمناهضة العنصرية. وبما أن السرسك ليس فلسطينيا عاديا، فهو يمثل معاناة الحركة الأسيرة بكاملها، فإنه لا يمكن أن يكون طرفاً مساهما في الترويج لصورة مزيفة.
والبديل، كما ُطرِح من قبل الأندية الغزية، مدعومة من حملتي المقاطعة الفلسطينية والكتالونية، هو أن يقوم النادي الأسباني بإلغاء دعوة شاليط واستبدالها باستضافة السرسك. وإن طرح البعض ان يذهب محمود للمباراة لإبراز معاناة شعبه ستصب في المحصلة النهائية في صالح الهاسبراة (حملة الدعاية الإسرائيلية). وبدلا من ذلك أقترح بعض النشطاء الفلسطينيين أن تتم أستضافة السرسك إما خارج الاستاد الذي تقام عليه المباراة، أو دعوته لحضور مباراة لفريق اسباني آخر، ويستطيع من خلال زالرته إبراز معاناة الأسرى والشعب الفلسطيني بكامله دون الدخول في عملية تبوح منها رائحة تطبيعيىة..!!
شكرا محمود السرسك لعدم ترددك ولو لحظة واحدة في اتخاذ قرار صحيح، قرار سيسطره لك التاريخ في سجلك الذي يحق لنا أن نفخر به.