يدور الحديث، في شتى المحافل، عن مقاربة ما يُسمى بـ "حل" الدولة الواحدة، ثنائية القومية. ويرى الكثيرون، إن هذا الحديث نشأ عن انسداد سياسي أحدث بدوره، اضطراباً في الرؤية وغيبوبة لا ترى الواقع. وقلنا مرة، في هذا المكان، إن الفلسطيني عندما يطرح مقاربة "حل الدولة الواحدة" على استحالته، فهو كمن يُذّكر المحتلين بالأسوأ، لكي يعودوا الى خيار حل الدولتين، ويوفروا له شروطه الموضوعية. لكن هؤلاء المحتلين، يفعلون العكس، إذ أعدوا أنفسهم لأمر آخر. فمن حيث المبدأ، يصح في السياسة، تخليق البدائل، لتنبيه العدو، الى مآلات وتداعيات أفاعيله. وكان إيهود باراك، في محاضرتين ألقاهما مؤخراً في الولايات المتحدة؛ تحدث عن مخاطر سد الآفاق أمام حل الدولتين، فقال إن بقي الحال على ما هو عليه "سنجد أنفسنا، أمام أحد خيارين: إما أن نكون في دولة ديمقراطية، تضمن لساكنيها حقوقاً سياسية متساوية، ونصبح فيها أقلية يهودية، أو أن نكون في دولة غير ديمقراطية، تضم قومية مضطهدة، لا حقوق سياسية لها". لكن باراك قدم رؤية حل، انبثقت عن ذهنية عسكرية عدوانية، قوامها صيغة لتعايش الاستيطان اليهودي في الضفة، مع شكل جغرافي لدولة فلسطينية، أشبه ببؤر لمهاجع نوم السكان الفلسطينيين، الذين ينشدون حقوقهم السياسية من دولتهم المصغّرة، التي تهيمن عليها إسرائيل استراتيجياً. ووفق صيغة هذا التعايش الذي يريد، تبقى قائمة على أراضي الضفة الفلسطينية المحتلة، الكتل الاستيطانية الثلاث الكبرى "معاليه أدوميم" و"غوش عتصيون" و"أريئيل" التي تضم الآن 230 ألف مستوطن. ولكي يتحاشى باراك مأزق انهيار العملية السلمية وإبقاء الأراضي الفلسطينية بسكانها، محتلة، دونما جلاء المحتل ودون دولة فلسطينية مستقلة، فيما الاستيطان الزاحف، لن يدع فضاءً لدولة أخرى؛ تحدث عن إخلاء اضطراري لمستوطنات صغرى، يُسترضى قاطنوها بمُغريات شتى، مع انسحاب أحادي يلتزم خط الجدار وحدود الكتل الاستيطانية..!
* * *
إن "حل الدولة الواحدة" أكثر استحالة بكثير، من حل الدولتين. وقد كتب عن فرضيّة الحل الأول، باحثون متخصصون كُثر، وأشبوعها تمحيصاً. وقد اجتذبتني دراسة البروفيسورة الأمريكية فيرجينيا تيلي، استاذة الدراسات المقارنة للنزاعات العرقية في جامعة جورج تاون، التي درست وضع جنوب إفريقيا، وكانت متخصصة في الشؤون العربية وفي نزاعات الشرق الأوسط. السيدة تيلي تقول فيما يشبه الرد المسبق على كلام باراك: "إن الآراء التي تقول بإمكانية إزالة مستوطنات في سياق مناسب، مثل توفير ضمانات أمنية لإسرائيل؛ أخطأت قراءة ـ أو تجاهلت ـ أهداف الاستيطان أصلاً". وتشرح قائلة:"المستوطنات كانت دوماً، بالنسبة لمن خططوا لها وحثوا عليها، مرتبطة باستراتيجية الضم الدائم، ويرون أن أية إزالة لبعضها أو تغيير في بنيتها، هو بمثابة تهديد لوجود الدولة اليهودية، لذا لا يمكن لأية حكومة إسرائيلية أن تفكر فيه". وتحسم فيرجينيا تيلي، الأمر قائلة ما معناه، أن تغيير بنية الاستيطان في الضفة، تخالف المنهج الإسرائيلي، وهو شبه مستحيل سياسياً..!
معنى ذلك أن المحتلين يرفضون إخلاء مسرح قيام الدولة الفلسطينية، وفي الوقت نفسه، لن يسلموا بفرضية الدولة الواحدة ثنائية القومية، لأنهم يرون في الاحتمالين خطراً داهماً..!
وفي موضوع القدس وخنقها وتغيير معالمها بالاستيطان، يقول جون دوغارد، المقرر السابق لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة "إن إسرائيل تمارس هندسة اجتماعية ساخرة في المدينة، هدفها تثبيت الهوية اليهودية للقدس وقطع الطريق على محاولات إمكانية تقاسم المدينة، واستباق الحل النهائي بجعل احتمالات أن تصبح القدس عاصمة لدولتين، أمراً مستحيلاً"..!
إذاً، وفي مواجهة هذا الانسداد، وحيثما لا يتاح حل الدولتين، ولا ـ بالطبع ـ حل الدولة الواحدة؛ نكون بصدد عملية نضال فلسطيني لا بد منها، باعتبار أن أسبابها ما تزال قائمة. ولعل أول مستلزمات المواجهة، من الجانب الفلسطيني، تتعلق حصراً بخطوات جدية، لمنع الاندثار السياسي، ودمقرطة الإطار الكفاحي الفلسطيني الجامع، ووضع الخطط والسياسات استعداداً لكل السيناريوهات. فلا يكفينا التهديد بورقة "حل السلطة" لأن هذه لم تعد ورقة مهمة في التعاطي مع محتلين يستعدون بخططهم وسياساتهم. فقد تأهبوا لانسحاب من جانب واحد، وفق خط الجدار وخطة الانتشار التي يرونها مناسبة لأنفسهم، على أن تصبح نيرانهم المصبوبة على الأراضي التي أخلوها ـ عند الاقتضاء ـ هي ضمانة أمنهم. وهم لا يبالون إن جاءت "حماس" لتحكم في الضفة، لأن هذه الحركة، أثبتت قدرة أعلى في مسألة ضبط الحدود، ويعلمون أنها ستغنم حكماً وتسعد به.
إن الأمر صعب ومعقد، والحركة الوطنية الفلسطينية تواجه تحدياً، بينما مياه كثيرة، تجري في قنوات القوى الإسلامية الطامحة الى الحكم كفيما يكون الحيز الجغرافي الذي تحكم فيه. وما يجري في غير بلد من العالم العربي، يقدم أمثلة كاشفة، إذ بدل التطلع الى تديين السياسة، بمعنى ربطها بقيم ومدركات الحق والكرامة مثلما يقرها الدين، وهذا متاح للمشتغلين في الحقل السياسي، في أية دولة علمانية، إذ ينافح كل ذي معتقد، عن الحقوق الوطنية والقومية، انطلاقاً مما يؤمن ويعتقد؛ نرى أن الأمور تمضي في اتجاه تديين الدولة دون أن تطال السياسة. ومن المفارقات، أن الخطاب السياسي لإسلاميي الربيع العربي، المتعلق بفلسطين، يلتزم كياسة العلمانية ورزانتها أو فتورها، بينما سلوكهم في صياغة بنية الدولة، يصطبغ بالدين، بحماسة وحرارة..!
الوضع الذي نحن فيه، لا يحتمل التغاضي عن ظواهر الضعف والتجلط ولا يصح فيه تضييق دائرة المشاركة السياسية، ولا الاستمرار في سياسات ارتجالية بدون خطط، ولا يتيح للفلسطينيين ترف الخصومة والثرثرات الفارغة. فلا حل متاحاً الآن، ولا معنى للهروب الى فرضية "حل الدولة الواحدة" المستحيلة. قدرنا أن نناضل حتى يرحل المحتلون عن الأراضي المحتلة عام 67 لتنفتح الآفاق على عملية تاريخية، تبدأ الأجيال خطاها في الاتجاه المضاد، لمسار الحركة الصهيونية الذي بدأ في أواخر القرن التاسع عشر..!