2012-09-25

التواصل مع الأخيار..!!


بقلم: عدلي صادق

في مكتبة "دار الفكر العربي" الكائنة في شارع عباس محمود العقاد في القاهرة، كنت أتقصى بعض العناوين على الأرفف، فأخذتني السليقة الى ركن المطبوعات القديمة، التي لم يتبق من كل إصدار منها، سوى نسخة أو اثنتين. وفي الحقيقة، تجعلنا الأبحاث الجديدة، التي يعدها طالبو درجات الماجستير والدكتوراه، نفتش عن القديم، لأن البحث  في أيام سمو الألقاب العلمية، كان مُضنياً وعميقاً ومُشبعاً، لا سيما في الخمسينيات والستينيات، وبعض السبعينيات، أي قبل أن يتردى مستوى البحث، في حقل العلوم الإنسانية، منذ مطلع الثمانينات. وفي رف هذه الكتب، عثرت على"الحركة الوطنية الفلسطينية، منذ ثورة 36 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية" وهو بحث دكتوراه نوقش في العام 1969 للدكتور عادل حسن غنيم، الذي أصبح رائد الدراسات التاريخية الفلسطينية في مصر، قبل أن يتسلم رئاسة الجمعية التاريخية المصرية، بعد الراحل د. رؤوف عباس.

الكتاب من خمسمئة صفحة، وذو غلاف أبيض رقيق ومتواضع وبدون ألوان. ولم أكن قبل تلك اللحظة، تصفحت عملاً للدكتور عادل غنيم وإن كنت سمعت عن اهمية دراساته. جلست على كرسي صغير بين الرفوف، وبدأت من الفهرس، وانتقيت بعض عناوين الموضوعات، فأذهلتني دقة البحث ومنهجيته، وقوة التعبير وكياسته العلمية واللغوية. فالرجل يصور الحياة الاجتماعية في فلسطين الثلاثينيات، ويقدم تحقيقاً عن واقع القوى الثورية ومواقفها وقياداتها، وكذلك عن القوى الراضخة والرجعية، وعن البيئة السياسية في الإقليم، وعن المواقف العربية والدولية التي أحاطت بالمسألة الفلسطينية في زمن الحقل البحثي. ومن خلال تثبيت المراجع، لنا أن نقدر حجم الجهد الذي بذله عادل حسن غنيم، وهو يتفحص التقارير السنوية لحكومة الانتداب البريطاني على فلسطين، وتقارير اللجان الرسمية المختلفة من بداية الإدارة المدنية البريطانية في العام 1920 حتى اندلاع ثورة 36. ويراجع عادل غنيم وثائق وزارة الخارجية البريطانية لأربع سنوات، ومحاضر مجلس العموم البريطاني، ومجلس الوزراء المصري. ذلك بخلاف العديد من المراجع العربية، ومن بينها وثائق وزارة الخارجية المصرية، والمراجع الصهيونية، ومذكرات وأوراق شخصيات فلسطينية كعوني عبد الهادي ومحمد عزة دروزه، ومراسلات بين الباحث والحاج أمين الحسيني، وبينه وبين زعماء حركة الاستقلال في سوريا وغيرها..!

*   *   *

أخذت النسخة، وتصفحتها لمدة أطول في مساء اليوم نفسه، وطرأت فكرة إعادة طباعة الكتاب، لإغناء المكتبة الفلسطينية لكي يكون العمل في متناول الأجيال الجديدة.

وليس من قبيل المصادفة، أن تختار الجمعية التاريخية المصرية، لرئاستها، باحثاً متخصصاً في الدراسات الفلسطينية، دون غيرها من حقول البحث التاريخي وموضوعاته الشاسعة ومراحله الزمنية. وبالطبع كان عليّ أن أسعى منذ اليوم التالي الى لقاء مع د. غنيم، وهو الذي جاوز الثمانين من العمر، وهكذا كان..!

استمعت الى الرجل، وكان حديثه على ذات المستوى من العمق والتمكن في تاريخ بلادنا وأحداثها ووقائع الانتهاب الصهيوني لفلسطين. إن مثل هذه الشخصيات، التي لا تعيش في دائرة الضوء، جديرة بالتكريم. فلا بد من التواصل الفلسطيني مع أمثال هؤلاء الأخيار قبل رحيلهم، لكي يكون وفاؤنا عاملاً مشجعاً لأجيال جديدة من الباحثين في الدراسات التاريخية..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com