2012-09-25

مبادرات اسرائيلية متناقضة..!!


بقلم: عادل عبد الرحمن

مع  دخول السنة العبرية الجديدة لحظاتها الاولى، وما تحمله غاليا من إستقراء سياسي لواقع الحال الاسرائيلي، وعلاقة ذلك بمسيرة التسوية، والعلاقات الاسرائيلية – الفلسطينية والعربية والاقليمية (الايرانية) والدولية، ومع  بدء اعمال الدورة الـ 67 للامم المتحدة، وإصرار القيادة الفلسطينية المضي قدما لتقديم طلب العضوية غير الكاملة للدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، وفي اعقاب حالة السخط والغليان، التي سادت ومازالت تسود اوساط الشارع الفلسطيني ضد فقدان الامل بالتقدم نحو الحل السياسي، وعدم إيفاء الدول المانحة لالتزاماتها المالية تجاه موازنة السلطة الوطنية، مما ادى لتصاعد وتيرة الازمة المالية – الاقتصادية، التي ادت الى ارتفاع اسعار السلع الاساسية. وارتباطا بما شهدته جبهة سيناء يوم الجمعة الماضي في 21 ايلول/ سبتمبر الماضي من تسخين جديد لجبهة المواجهة بين السلفيين وجيش الاحتلال الاسرائيلي، التي نجم عنها مقتل جندي اسرائيلي واصابة آخر، مما يؤكد على ان صفيح غزة – سيناء سيزداد سخونة وحرارة، رغم ان فصل الخريف خفف كثيراً من حرارة الصيف الماضي. لكل ما تقدم، شهدت الساحة السياسية الاسرائيلية حراكاً على الصعد المختلفة الامنية والاقتصادية والسياسية لمحاكاة الواقع الناشىء في الساحة الفلسطينية وجبهة سيناء.

بادر إيهود باراك، وزير الحرب الى طرح مبادرة احادية الجانب قديمة – جديدة. محتواها استنساخ لمبادرة اريك شارون، رئيس الوزراء الاسبق، وامتداد لها. وتتضمن الانسحاب الاسرائيلي من المستوطنات الاستعمارية المعزولة، وتخيير المستوطنين، الذين يرفضوا الاخلاء للعيش تحت حكم السلطة الوطنية، وفي الوقت ذاته ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة: أرائيل ومعالية ادوميم وغوش عتصيون، والتي تضم 90% من المستوطنين في الضفة الفلسطينية؛ والحفاظ على التلال المطلة على مطار بن غوريون، وايضا البقاء في الاغوار، وما تبقى تقام عليه "الدولة" الفلسطينية.

وأشار باراك لصحيفة "إسرائيل اليوم"، التي نشرت الحديث معه الثلاثاء: "هذا سيساعدنا ليس فقط مع الفلسطينيين، بل مع دول المنطقة الاخرى. ومع الاوروبيين وحكومة الولايات المتحدة." وتابع مضخما مشروعه المشروخ بالقول "وهذا قرارا ليس بالسهل، ولكن يوم الغفران، هو الوقت المناسب لالقاء نظرة على الحقائق، نحن لسنا دولة فتية، ولم نتواجد في الضفة منذ سنتين، وانما نحن هناك منذ 45 عاما، وقد حان الوقت لاتخاذ القرارات ليس من منطلقات ايديولوجية، لكن من منطلق قراءة الواقع"؟!

خطة باراك، كما ذكر ليست جديدة إلآ باب إعادة طرحها. وهي خطة تتناقض مع خيار حل الدولتين للشعبين على حدود الرابع من حزيران 1967، ولا تتفق مع قرارات ومرجعيات التسوية السياسية الاممية وايضا لا تنسجم مع مبادرة السلام العربية. وهي بتعبير آخر، شكل من اشكال الاملاء الاحتلالي على الطرف الفلسطيني، اي لا تخرج عن السياسة احادية الجانب، التي طرحها ونفذها شارون في قطاع غزة عام 2005. وهي بالمحصلة محاولة إسرائيلية تستهدف التضليل للرأي العام العالمي والاقطاب الدولية، وخاصة الرباعية الدولية، التي ستعقد إجتماعا في ال 30 من ايلول/ سبتمبر القادم في نيويورك، لقطع الطريق على اي خطوات جدية قد تلجأ لها تلك اللجنة لاعادة الاعتبار لدورها الاشرافي على التسوية، وايضا لدفع القوى الدولية وخاصة الولايات المتحدة الضغط على الرئيس محمود عباس لعدم التوجه لطلب العضوية غير الكاملة للدولة الفلسطينية.

بإمكان ايهود باراك ان يفعل، هو وحكومته ما يشاؤون، لاسيما وانهم، هم القابضون على مقاليد الامور في الارض الفلسطينية، ولكن الشعب والقيادة الفلسطينية، كما رفضت سابقا سياسة الاملاء ومواصلة الاحتلال للاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، واي كان حجم ذلك الاحتلال الاسرائيلي، الذي يريده وزير الحرب الاسرائيلي، سيرفض الشعب وقيادته بقاء محتل اسرائيلي واحد وعلى اي شبر من الارض الفلسطينية في القدس الشرقية او الاغواؤر او التلال المطلة على مطار بن غوريون او غيره من الاماكن التي تعتبرها دولة التطهير العرقي "استراتيجية".

الحل الممكن والقابل للحياة، هو ما طرحته زهافا غلئون، زعيمة حزب ميرتس، التي دعت حكومة اقصى اليمين الصهيونية الى المبادرة للاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الـ 67، والاقرار بمبادرة السلام العربية، وتطبيق خيار حل الدولتين للشعبين على حدود الرابع من حزيران 1967، والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وحل مسألة اللاجئين على اساس القرار الدولي 194. 

وهو ذات الحل، الذي نادت، وتنادي به القيادة الشرعية الفلسطينية، والمتوافق مع خيار حل الدولتين للشعبين، وقرارات الشرعية الدولية وخطة خارطة الطريق.

فإن شاءت حكومة نتنياهو الخروج من النفق المظلم، عليها ان تبادر الى الاعلان المباشر، موافقتها على مبادرة السيدة زهافا غلئون، لانها تستجيب مبدئيا للحل الممكن والمقبول من الشعبين، كما ان القيادة الفلسطينية تتوافق مع رؤية زعيمة "ميرتس".

وان لم تفعل حكومة إئتلاف اقصى اليمين الصهيوني، فإنها تكون وضعت المسمار الاخير في نعش خيار حل الدولتين للشعبين على حدود الرابع من حزيران 1967، ودفعت عمليا الامور باتجاه الدولة العنصرية الواحدة، ايضا التي لا تتوافق مع المرجعية الايديولوجية الصهيونية، التي نادت، وتنادي بالدولة "اليهودية" النقية او الدولة ذات الاغلبية اليهودية. وهو ما يتعارض مع السياسات، الاستعمارية، التي تنتهجها دولة اسرائيل الان.

حكومة إئتلاف الليكود وإسرائيل بيتنا وشاس وحزب الاستقلال (باراك) وغيرها من القوى الصهيونية المتطرفة، امام خيارين لا ثالث لهما، اما القبول بخيار حل الدولتين للشعبين على حدود الرابع من حزيران 67 او خيار الدولة الواحدة. واحلاهما مُّر بالنسبة للقيادة الاسرائيلية، ولكن بالمعايير الايديولوجية وحتى السياسية والاقتصادية، خيار الدولتان، هو الافضل من وجهة النظر الصهيونية.
 
وتخطىء إسرائيل وقياداتها المختلفة، إن اعتقدت، انها تستطيع تمرير خيار غيورا ايلاند، رغم توافق حماس – مصر الاخوان معها، وايضا تخطىء دولة الابرتهايد خطأً فادحا، إن اعتقدت بامكانية تنفيذ، خيار الوطن البديل في "الاردن" او غير ذلك من الخيارات البائسة، حتى وان تواطأ معها قوى عربية مأجورة، لان الشعب العربي الفلسطيني وقيادته السياسية، لن تقبل وطنا بديلا عن فلسطين.

* كاتب سياسي فلسطيني- رام الله. - a.a.alrhman@gmail.com