2012-09-22

مدرسة "أوسلو" فشلت..!!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

"أوسلو" كان نتاج ظروف سياسية عايشتها المنطقة، كان ابرزها حرب الخليج الاولى وتداعياتها. على اثر ذلك انتصر التيار البرغماتي في المنظمة وحركة "فتح" الذي استغل القناة التي فتحها اثنين من الاكاديميين الاسرائيليين وهما رون بوندك ويائير هرشفلد، قبل ان يصبح في الصورة يوسي بيلن وشمعون بيرس ومن ثم اسحق رابين، مقابلهم من الجانب الفلسطيني كان الشهيد فيصل الحسيني وبعض قيادات الداخل الذين حرصوا على عدم تجاوز الرئيس الشهيد ابو عمار والقيادة الفلسطينية الذي بدوره أوكل المهمة للرئيس عباس والذي  كلف الاخ أحمد قريع "ابو علاء" ومعه حسن عصفور.

اللحظة التاريخية كانت ناضجة لاتفاق اعلان المبادئ اسرائيليا وفلسطينيا. القيادة الفلسطينية كانت تعاني من العزلة وتجفيف المصادر المالية والتشتت بعد حرب الخليج الاولى والشعب الفلسطيني كان منهك بعد سنوات من الانتفاضة. اسرائيليا ايضا كانوا منهكين من عناد الشعب الفلسطيني الذي جربوا معه كل شيء واصبح استمرار الاحتلال عالي التكاليف مما ساعد في التوصل الى اعلان المبادئ في اوسلو عام 1993 وما تبعه من اتفاقيات.

بعد تسعة عشر عاما، لا يوجد فلسطيني واحد ما زال يؤمن ان هذه الاتفاقات ما زالت قابلة للتطبيق، وان اوسلو الذي يعاني من موت سريري منذ انهيار المفاوضات عام 2000 في كامب ديفيد الثانية يمكن اعادة احياءه من جديد. الرئيس عباس الذي يعتبر مهندس اوسلو يصرح ليل نهار ان اسرائيل لم تبق من اوسلو سوى ما يخدم مصلحتها، و السيد ابو علاء يقول ان حل الدولتين قد فشل ويجب التفكير جيدا في تبني خيار الدولة ثنائية القومية.. كل القيادات الفلسطينية بكافة مستوياتها تعتقد ان اوسلو تحول من انجاز مفترض للفلسطينيين الى كوارث متتالية.

في الجانب الاسرائيلي ايضا لم يعد هناك قيادات سياسية سواء كانت من اليسار الذي قاد العملية السياسية او اليمين الاسرائيلي الحاكم في هذه الايام، الجميع يقول ان اوسلو مات، وان مدرسة اوسلو قد فشلت، بما في ذلك يوسي بيلن الذي يعتبر مهندس الاتفاق من الجانب الاسرائيلي والذي وجه مناشدة قبل يومين للرئيس عباس لحل السلطة واعادة المفاتيح للاحتلال الاسرائيلي لكي يتحمل مسؤولياته امام المجتمع الدولي.

الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة استطاعت ان تفرغ اوسلو من محتواه بعد ان صادرت كل شيء كان من المفترض ان يكون في مصلحة الفلسطينيين وحرصت على ان تبقي من هذا الاتفاق ما يخدم مصلحتها وهو الحرص على ان تتحمل السلطة المسؤولية الكاملة عن السكان لكي لا يكلفهم استمرار احتلالهم للارض الكثير واستمرار التنسيق الامني والذي جعل السلطة الفلسطينية مجرد نواطير على أمن الاحتلال ومستوطنيه، والامر الثالث هو استمرار التمسك في بروتوكول باريس الاقتصادي لكي لا تقوم قائمة للاقتصاد الفلسطيني وتبقى السلطة منشغلة طوال الشهر في كيفية الإيفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين، وخاصة الموظفين منهم.

يجب ان نعترف ان الاسس التي قامت عليها اوسلو لم تعد صالحة ولا يوجد بصيص من الامل لاعادة اصلاحها، وان كل ما تمخض عنها خلال العقدين الماضيين يجب اعادة النظر به على الرغم من المخاطر الكبيرة التي قد تواجه القيادة الفلسطينية.
 
أهم الاسس التي قامت عليها مدرسة اوسلو وثبت انها فاشلة او تم افشالها من قبل الاحتلال الاسرائيلي هي:

اولا: مبدأ الارض مقابل السلام.
 بعد تسعة عشر عاما احتلت اسرائيل المزيد من الارض وأقامت المزيد من المستوطنات وشددت الخناق على القدس واهلها ولم يتحقق السلام. الارض مقابل السلام تحول الى سيطرة اسرائيلية على الارض وتوفير السلام للمستوطنين.

ثانيا: مبدأ الحلول المرحلية.
اوسلو حاولت ان تجزء الحلول على اعتبار ان معالجة القضايا مرة واحدة غير ممكن، لهذا كانت  البداية في بسط السلطة على غزة و اريحا و تقسيم المناطق الى "أ" و"ب" و"ج".. وكذلك تأجيل البحث في القضايا الجوهرية مثل الحدود والقدس واللاجئين. كل ذلك كان من المفترض ان ينتهي في العام 99 كأقصى حد. 

ثالثا: مبدأ المفاوضات الثنائية برعاية امريكية.
بعد تسعة عشر عاما لم يعد هناك قناعه لدى اي فلسطيني سواء كان قائد او مواطن عادي ان المفاوضات الثنائية بين الفلسطينيين والاسرائيليين المتوقفة تماما الان يمكن اذا ما استؤنفت في المستقبل ان تؤدي الى انهاء الاحتلال، وان هذه النظرية قد فشلت فشلا ذريعا بعد ان اتضح للفسطينيين ان اسرائيل تريد هذه المفاوضات من اجل كسب الوقت الذي تستثمره جيدا في تعزيز الاستيطان، والذي نحن نستثمره جيدا في تعزيز الانقسام.

رابعا: مبدأ الابتعاد عن الامم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية.
اوسلو لم يكن له علاقة بقرارات الشرعية الدولية سوى بقرارين، القرار 242 و338 وكلاهما يتحدث عن انسحاب من اراضي احتلت عام 67 وفقا للتفسير الاسرائيلي. القرارات الاخرى مثل القرار 181 و194 وباقي القرارات التي تنصف الفلسطينيين لم يتم التطرق لها، والامر الآخر هو ابعاد القضية الفلسطينية عن اروقة الامم المتحدة بما تمثله من شرعية دولية. الاعتقاد كان ان هذا قد يسرع في التوصل الى حل.

بعد كل هذه السنوات القيادة الفلسطينية وفي اعتراف صريح بفشل مدرسة اوسلو تقرر العودة الى اروقة الامم المتحدة، وان تقديم الطلب في العام الماضي لمجلس الامن لقبول فلسطين دولة كاملة العضوية، وكذلك التوجه الى الجمعية العامة للامم المتحدة الآن لطلب قبول فلسطين دولة غير عضو هو تسليم بأن الأساس الذي قام عليه اوسلو قد فشل.

القيادة الفلسطينية يجب ان تعطي اجابات للشعب الفلسطيني لا تشتكي همها له، والسؤال الاول الذي يجب الاجابة عليه هو هل استمرار هذا الوضع يخدم المصلحة الفلسطينية والقضية الفلسطينية ام يعمل لمصلحة الاحتلال. اذا كانت الاجابة بأن هذا الوضع هو ضد المصلحة الفلسطينية يجب على القيادة ان تقرر ما الذي يجب فعله. والسؤال الثاني الذي يجب الاجابة عليه هو: هل السلطة الفلسطينية ما زالت تعتبر انجازاً وطنياً يجب الحفاظ عليه ام اصبحت عبئا على المشروع الوطني؟ اذا لم تعد انجازا وطنيا، هل الدعوة الى اعادة النظر في وجودها هو في خدمة المشروع الوطني ام تمدير له؟!

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - szaida212@yahoo.com