2012-09-20

الغضب الساطع..!!


بقلم: عدلي صادق

تهدأ الآن، موجة ردود الأفعال الشعبية الغاضبة، في عدة أقطار عربية، على الشريط السينمائي المسيء للنبي محمد عليه السلام. ولم يحلّ هذا الهدوء، بعد الفوران، بسبب أن الآراء النقدية لمن شاهدوا الشريط، أجمعت على أنه أتفه من أن يجتذب مشاهداً عاقلاً، حتى بتأثير ما أثير حوله من ضجيج؛ وإنما لأن هذا هو الهدوء المتوقع، لغضب يضاهي الزَبد الذي يخمد، والفقاقيع التي تنفتح على اللا شيء. فلو كان ثمة منظومة قياس، انبثق عنها الاحتجاج الشعبي، لكان هناك ما قبلها وما بعدها، من انفجارات شعبية، في وجه سفهاء تلطخت أيديهم بالدماء، طالت أفاعيلهم اسم الجلالة ونبيه الكريم وقيم السماء والأرض. ولو وضعنا جانباً، كل الانتهاكات التي من شأنها ـ بالمحصّلة ـ إغضاب رب العالمين، وتناولنا بعض الأمثلة، في الماضي والحاضر،  بما يُساء فيها لرب العالمين مباشرة، على أيدي أنظمة الفساد والاستبداد؛ وجعلناها في موضع القياس المنطقي والحصيف؛ لانفجر غضبٌ شعبي لا يخمد حتى إسقاط البغاة. ففي سالف الأيام، تداول الكثيرون مقولة ظلت تتكرر في اقبية التحقيق مع طالبي الحرية، وكانت جواباً من المحقق للسجين، كلما استعان بالله ولجأ الى التذكير به، عند وقوع الألم: إن ربك في جارور هذا المكتب، ومعه جمع الأنبياء..!

وطالما أن الأمر أمر شرائط؛ فقد بث ناشطو الثورة السورية، في أطوارها المبكرة، شريطاً لعملية تنكيل حتى الموت، بمواطن، وكان الضابط الأسدي الذي انقضّ مع جنوده على الإنسان المواطن من بني جلدته؛ يأمر ضحيته بأن يهتف لربّه الذي هو بشار الأسد، وأن يسجد لهذا البشار، على صورة ورقية فُرشت على الأرض. والكافرون الذين فعلوا ذلك ليسوا يهوداً بالولادة ولا مسيحيين متطرفين. وبعد ذلك المثال الفج، ظل هناك من يقولون إن ثورة السوريين هي مجرد مؤامرة، بل وأختزلوا كل حيثياتها المريعة وحيثيات أفاعيل النظام المستبد، على مر أربعين عاماً على الأقل، بكونها من صنع قناتين فضائيتين، تتقصدان "محور المقاومة" الذي يمكن أن نمسك قوس قزح عندما يرتسم في السماء، ولا نمسكه بالملموس.

لا موجب للقول بأن الهجوم على السفارات الأمريكية، كان يعكس جهالة في فهم طبيعة المجتمع الأمريكي ونظامه وقوانينه، ولا داعي للقول أن لا علاقة للسفارات بما انتجه المنتجون الذين لا يغطي ألف فيلم سينمائي من هذه الشاكلة، مساحات أحقادهم الشاسعة. فمن عند هذه السفارات، تبدأ عملية تصويب للسياسة الأمريكية، بمؤازرة شعبية، يكون فيها الاحتجاج الشعبي المنظم، على جوهر السياسة الأمريكية في منطقتنا. فليس صحيحاً ولا عقلانياً، أن يكون الأمر طبيعياً عند أسوار سفارات الولايات المتحدة الأمريكية، على امتداد مسافات زمنية مشبعة بنكران السياسة الامريكية وانحيازها الفاضح لإسرائيل، وهذا هو عين ما تفعله حكومة السفارات حصرياً؛ ثم يكون الهجوم على السفارات، رداً على شريط سينمائي تافه، لم تنتجه الحكومة الأمريكية، بل إن هذه الحكومة، بما لديها من منظومة قضائية، جاهزة لأن تتلقى دعاوى قضائية ضده، بدعم نحو عشرة ملايين مسلم في الولايات المتحدة نفسها..!

ربما اختلط الأمر على المواطنين العرب وغير العرب، من المسلمين الذين هاجموا السفارات الأمريكية، فظنوا أن الأمور تجري في أمريكا، مثلما تجري في بلدانهم، إذ يملك جهاز الدولة، أن يوقف وقتما شاء، عملاً سينمائياً وأن يُصادر صحيفة، وبالتالي فإن الدولة هي المسؤولة عن مساس الفيلم بمشاعر المسلمين.

إخواننا في سوريا، رفعوا لافتة تُذكّر الغاضبين بالفيلم الأسدي الحقيقي الذي يجري في الواقع، منذ ثمانية عشر شهراً، وينتهك بالجملة كل رموز الإيمان والقيم ويسفك الدماء في الواقع، وتسجل الكاميرات أحداثه..!

ليس من بين آمالنا أن تحترق سفارات أمريكية ولا أن يُقتل أمريكيون. غايتنا هو بناء منظومة سياسيات مستندة الى مجتمعات قوية، واقتصادات ناهضة، وديمقراطيات، تقف في وجه السياسة الأمريكية من موقع الند، فترهن معدلات العلاقة والتعاوين، بمستويات العدل والتوازن في منطق وسلوك السياسة الرسمية الأمريكية، فلا تُعين ظلاميين عنصريين من أمثال الحاكمين في تل أبيب، على العربدة والتنكر لأبسط القيم الإنسانية، ناهيك عن تنكرهم لقيم الحرية التي يتغنى بها الأمريكون..!

إن الغضب الحقيقي الساطع، هو الذي يتعاطى مع قضايا وسياسات. وهذا لا يخمد ولا تنفتح فقاقيعة فتنتهي الى اللا شيء. لتبق أسوار السفارات الأمريكية آمنة بالقدر الذي تسمح الآفاق بوجودها أصلاً، ولتسقط السياسات الأمريكية التي هي أسوأ من الشريط السينمائي. وليسقد المستبدون والمتجبرون الكفرة، من مسلمي المولد، قبل أن يسقط المتطاولون من معسكر الآخرين. نسالم في هذا، ونخاصم عليه، وعلى أساسه يكون الغضب الساطع..!

* الكاتب يشغل منصب سفير فلسطين في الهند. - adlishaban@hotmail.com