2012-09-19

القوة التفاوضية..!!


بقلم: معتصم حمادة

في لقاء جمع بين المفكر المصري المعروف، الراحل الدكتور أحمد ثابت، وبين العاملين في «دائرة الإعلام والتوثيق» للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، عشية ثورة يناير في مصر، تحدث الصديق العزيز عما أسماه يوم ذاك «القوة التفاوضية». أشاد طويلا بالتحركات الشعبية في مصر، وبالإضرابات النقابية، وبقدرة المجتمع المصري على بناء وتأسيس منظماته الأهلية، تتبنى هموم الناس، وتناضل لأجلها. لكنه أضاف أن النظام لا يهتم كثيرا بهذه التحركات، ولا يقيم لها وزنا بالقدر الكافي، لأن هذه التحركات لا تملك «القوة التفاوضية».

حين اندلعت ثورة يناير، ونزلت الملايين، في القاهرة، والإسكندرية، والسويس، وبورسعيد، والإسماعيلية، وباقي المدن، وفي الصعيد إلى الميادين والساحات، واعتصمت في الشوارع، وتحدت القمع والقتل والغاز المسيل للدموع، وخراطيم المياه، والدهس بسيارات الشرطة، وحين تحدت البلطجية على الأحصنة والجمال، حمت بصدورها العارية، مؤسسات الدولة، خاصة المتحف الوطني المصري، اضطر النظام عند ذاك لدعوة الأحزاب والقوى الشعبية وممثلي الحراك في الشارع إلى التفاوض. النظام المصري، لم ينزل عند ضغوط الشارع، إلا عندما أحس، حقيقة، أن هذا الشارع بات يمتلك «قوة تفاوضية»، لأنه بات قادرا على تعطيل الحياة اليومية في مصر، وفي تحدي السلطة وأجهزتها القمعية، واتخذ قرارا واضحا بمواصلة التحرك والتحدي والتصدي، إلى أن تتحقق أهداف تحركاته. وحدة القوى الشعبية، وقدرة الشعارات الصائبة على تحريك هذه القوى، حزبية كانت أم غير حزبية، تحولت إلى قوة تفاوضية لم يستطع النظام أن يتجاهلها. لذلك لجأ، بل اضطر، إلى التفاوض. وعندما توصل مع بعض المفاوضين، مثل «حركة الإخوان» إلى صفقات هدفها الالتفاف على الانتفاضة الشعبية، وجد أن الأمر لا يسير إلى الأمام، وأن «القوة التفاوضية» للشارع باتت أقوى مما يمكن من التحايل عليها، وانتهى الأمر، في نهاية الجولة الأولى إلى الرضوخ، والإذعان، فأعلن الرئيس مبارك تنحيه، ثم تولى المجلس العسكري إدارة البلاد.. وبقية القصة معروفة، وكل ما يجري الآن، تحت ضغط الشارع، في مصر، إنما لأن الشارع بات يملك «قوة تفاوضية» تمكنه من فرض شروطه على الآخرين.

* * *

مناسبة هذا الكلام أن السلطة الفلسطينية قررت دعوة الجانب الإسرائيلي لإعادة التفاوض حول «بروتوكول باريس» الاقتصادي. ومن المعلوم أن هذا «البروتوكول» تم التوصل إليه بين إسرائيل والفريق الفلسطيني المفاوض، في إطار السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى «تكليف» السلطة الفلسطينية بعدة وظائف دفعة واحدة: الضبط الأمني للحراك الشعبي الفلسطيني ومنعه من المس بالأمن الإسرائيلي، توفير الخدمات اليومية لثلاثة ملايين ونصف المليون فلسطيني بما يعفي الإسرائيليين من هذه الأعباء، ضمانات اقتصادية لصالح إسرائيل تبقي المناطق الفلسطينية سوقا استهلاكية، ومصدرا لليد العاملة الرخيصة، وبما يصون الازدهار الإسرائيلي الناتج عن التبعية الاقتصادية الفلسطينية للاقتصاد الإسرائيلي.

مقابل هذا، وفرت إسرائيل لبعض النخب امتيازات ونفوذا، خلف وهما لدى أصحاب هذه النخب أنهم عبر هذا الطريق سيقيمون الدولة الفلسطينية المستقلة.

عندما ارتفعت الأصوات المعارضة لبروتوكول باريس، تطالب بالتحرر من التزاماته، لأنها على حساب المواطن الفلسطيني، وعلى حساب لقمة عيشه، وعندما ارتفعت الأصوات المعارضة لاتفاق أوسلو، تطالب بتجاوزه والتحرر من التزاماته، لأنها تتم على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وعلى حساب مستقبله الوطني ومستقبل قضيته؛

تجاهلت السلطة الفلسطينية هذه الأصوات، وتعاملت معها باستخفاف، وغلب، أصحاب القرار، مصالحهم الفئوية، على حساب المصالح الوطنية العامة. السؤال لماذا؟ الجواب لأن أصحاب الصوت المعارض لم يشكلوا «قوة تفاوضية» ترغم السلطة على الجلوس إلى طاولة الحوار الوطني، ليس لأجل استعادة الوحدة الداخلية وإنهاء الانقسام، بل الحوار الوطني لأجل إعادة رسم السياسات الوطنية والاجتماعية. وبما يتيح تجاوز اتفاق أوسلو، وبروتوكول باريس.

لذلك بقيت الاعتراضات اللفظية الكلامية، مجرد شكوى ترفع بين وقت وآخر، في مناسبات سياسية واجتماعية، دون أن تقيم لها السلطة الفلسطينية وزنا، وحتى عندما تأزمت الحالة الاقتصادية، منذ نهاية العام الماضي، وأخذت المؤشرات تدلل على أن المسار الذي تتبعه السلطة تحت سقف الاتفاقات الموقعة مع العدو ستقود إلى الكوارث السياسية والاجتماعية، بقيت السلطة تناور وتراوغ، وحين طرح الأمر بجدية [نسبية] في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، جرى الالتفاف على الأمر، من خلال الطلب إلى بعض الخبراء الفلسطينيين دراسة «إمكانية» إعادة التفاوض على بروتوكول باريس، دون الإتيان على ذكر اتفاق أوسلو، وخارطة الطريق، أو الإتيان على كيفية التحرر من المسار التفاوضي الذي تحول إلى قيد يكبل تحرك الجانب الفلسطيني، ويطلق يدي الجانب الإسرائيلي في توسيع الاستيطان، وتعطيل المصالح الفلسطينية، دون أي اعتبار للاتفاقات الموقعة، انطلاقا من أن مصالح إسرائيل هي الأساس، وما دون ذلك فلا قيمة له حتى ولو جاء في اتفاق موقع مع الجانب الفلسطيني.

هذه المراوغة من قبل أصحاب القرار، وهذه المناورات وصلت إلى الطريق المسدود، حين نزل الفلسطينيون إلى الشارع، يحتجون على السياسة الاجتماعية لحكومة فياض، وحين أحرق أحد المحتجين في قطاع غزة نفسه، بعد أن يئس من سياسات حكومة هنية. حكومة فياض اضطرت للتراجع عن بعض قراراتها، ووعدت بالمزيد من الإجراءات الإصلاحية، وحكومة هنية حاولت أن تعالج الأمر بخطوة مسرحية، كأن تهب عائلة المنتحر مبلغا من المال، زهيدا جدا [ألفان من الدولارات] ما دعا أصحاب صفحات «الفيسبوك» للسخرية من هذه الخطوة بالقول «إحرق نفسك وأكسب ألفي دولار من إسماعيل هنية».

حكومة فياض تحركت، وكذلك تحرك هنية، كل بأسلوبه، لأن الحركة الشعبية الاحتجاجية تحولت في لحظة ما إلى «قوة تفاوضية».

* * *

ونفترض أن هذا التطور المهم، يجب أن يشكل درسا للقوى كافة:
* للسلطة الفلسطينية، التي تجاهلت الحركة الشعبية، كقوة تستقوى بها في وجه الاحتلال. لقد رسمت لهذه الحركة الشعبية سقفا سياسيا منخفضا، وحاولت على الدوام أن تمنع رفع هذا السقف خطوة إلى الأمام، حرصا منها على مصالحها، وحتى لا تصطدم بالاحتلال. اللحظة الراهنة تقول إن الحركة الشعبية كقوة تفاوضية توجهت الآن للضغط على السلطة نفسها، لأن هذه الحركة وصلت إلى مرحلة لم تعد تقنعها إيديولوجيا السلطة وشعاراتها. وإذا لم تتعظ السلطة بهذا الدرس، وتذهب مع الحركة الشعبية إلى النقطة التي تلبي مصالح هذه الحركة فإن الأمور لاحقا سوف تزداد تعقيدا وهذا ما يجب التنبه له.

* للفصائل الفلسطينية، التي افتقدت للحركة الشعبية، مطلوب منها الآن أن تتبنى، بكل وضوح وشجاعة، مطالب هذه الحركة، ومن الخطر بمكان أن تفكر هذه الفصائل بلعب دور الوسيط بين الشارع والحكومة، بدعوى أن المعركة يجب أن تكون مع الاحتلال، وبدعوى منع المندسين من تخريب التحرك الشعبي. إن أية محاولة لخفض مستوى المطالب الشعبية، بما يلتقي مع الحكومة، ستعود على الفصائل الفلسطينية بالمردود السلبي. يكفي أن الحركة انطلقت وتجاوزت الفصائل وسقفها السياسي، وعلى الفصائل أن تتعظ بدروس مصر، ودروس تونس، وأن تحتل موقعها على رأس الحركة الشعبية، لا أن تكون وسيطا بينها وبين الحكومة.

* عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين- دمشق. - ---